الانتخابات الأميركية تُحيي شجن «أشجار الجنوب»

الانتخابات الأميركية تُحيي شجن «أشجار الجنوب»

الخميس - 19 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 05 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15318]

في ثلاثينات القرن الماضي، غنّت بيلي هوليداي «أشجار الجنوب». تقول الأغنية إن أشجار الجنوب الأميركي «تحمل ثماراً غريبة دامية» هي أجساد السود الذين كان العنصريون البيض يشنقونهم في الغابات بعد خطفهم وتعذيبهم في ممارسة شكلت استمراراً لعصر العبودية الذي كان عسيراً على الأسياد البيض في الجنوب رؤية نهايته بعد هزيمتهم في ختام الحرب الأهلية سنة 1865 وتحرر العبيد من أغلال حملوها طوال ثلاثة قرون في المزارع الأميركية.

بيد أن التحرر لم يكن كاملاً وتبعه اكتشاف العبيد المحررين أن «العادات القديمة تموت بصعوبة»، على ما يجزم القول الإنجليزي. وإن للرق أشكالاً مختلفة تبدأ مع التمييز في مكان العمل، وحظر الاختلاط الاجتماعي، والإجحاف في الأجور، ومنع المشاركة في الحياة السياسية، وصولاً إلى الخطف والتنكيل والقتل والتعليق جثة هامدة ودامية على شجرة من أشجار الجنوب لكل أميركي أفريقي يبدي اعتراضاً على الأمر الواقع أو يُظهر رغبة في التمرد والخروج على الأسياد البيض السابقين الذين استعادوا الكثير من نفوذهم في صفقة مع الشماليين المنتصرين ضمن عملية إعادة بناء الجنوب وسحب القوات الاتحادية التي يغلب أبناء الشمال عليها من الولايات التي انضوت تحت لواء الكونفدرالية أثناء الحرب، أو ما يعرف بـ«تسوية 1877» التي أنهت الخلاف حول انتخابات 1876 الرئاسية.

حركة الحقوق المدنية التي انطلقت في خمسينات القرن الماضي لم تنهِ، رغم النجاحات الكبيرة التي حققتها، قضية التمييز بين البيض والملونين في الولايات المتحدة. صحيح أن الوضع في العقد الثاني من الألفية الثالثة يختلف اختلافاً بيّناً عما كان عليه في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي عندما كانت منظمة «كو كلاكس كلان» تعمل علناً وبرعاية عدد كبير من السياسيين وعندما كان فيلم «ميلاد أمة» الذي يمجد المنظمة العنصرية يُعرض في كبرى صالات السينما. وصحيح أيضاً أن ثقافة التعدد والاعتراف بالآخر والحريات الفردية ترسخت خصوصاً في ولايات الساحلين الشرقي والغربي وفي المدن الكبرى، لكن الصحيح أكثر أن الارتكاس نحو الماضي العنصري بشعاراته وخطابه، ما زال ماثلاً كخطر شهد العالم حقيقته في العديد من الصدامات في شوارع البلدات الأميركية في الأعوام الماضية.

وليس التاريخ وحده الموّلد الدائم للحساسيات والصراعات العرقية، المعلنة والمستترة. ذلك أن أحداثاً عميقة الأثر كانتقال قسم كبير من الصناعات الأميركية إلى الخارج وما سببه من بطالة خصوصاً في «حزام الصدأ»، وتدفق المهاجرين من بلدان العالم الثالث وأميركا الجنوبية، وأخيراً الأزمة المالية الحادة في 2008 - 2009 التي هزت المجتمع الأميركي برمته، تركت بصماتها على علاقات الجماعات الإثنية ببعضها. الأهم من ذلك، أن المنافسة بين سرديتين للحاضر الأميركي تتصاعد بين القائلين بالقبول بالاختلاف والاستفادة منه والحفاظ على «الحلم الأميركي» الذي يتيح للمهاجرين من أي مكان من العالم، فرص النجاح والصعود الاجتماعي، وبين الخائفين من ذوبان هويتهم الأميركية في بحور الوافدين الجدد المؤدين في الغالب لدعاوى التحرر والمساواة والعدالة الاجتماعية التي تصب في نهاية المطاف في مصلحة طرف سياسي محدد هو الحزب الديمقراطي.

في المقابل، لا يقتصر حاملو السردية الثانية على الجمهوريين التقليديين (بل إن للعديد من هؤلاء تحفظات شديدة على المنحى الشعبوي الذي يسير فيه البعض في الحزب)، إذ يشمل قسماً كبيراً من البيض الذين لم تحمل لهم سياسات «التمييز الإيجابي» واستيعاب الأقليات والعدالة الجندرية أي مكاسب، حيث ارتبطت من ناحية الممارسة بتعميم سيطرة الاقتصاد المالي - المصرفي وهيمنة الشركات الكبرى وتدمير الريف. بل رأوا أن كل ما سبق قد ساهم في تهميش الفقراء البيض وإفقارهم وحتى تحقير ثقافتهم وقيمهم. وتبدو مسألة الحق في اقتناء السلاح نموذجية في هذا السياق، إذ تقول الدعاية اليمينية إن الديمقراطيين يريدون سلب البيض بنادقهم ومسدساتهم تمهيداً لطردهم من أراضيهم لمصلحة مطوري العقارات القادمين من المدن... غني عن البيان أن شركات صناعة الأسلحة تدخل في اللعبة هذه، وقد جعلت من حظر انتشار السلاح حلماً بعيد المنال رغم آلاف القتلى الذين يسقطون كل عام بسبب انتشار السلاح.

العلاقات الإثنية والفوارق الطبقية وسياسات الهوية والحالة المزرية التي يعيشها الريف وتغول الشركات الكبرى والمستقبل الغامض الذي بدأ يلوح مع التوسع الضخم لتكنولوجيا المعلومات، أمور تجعل من المعركة الرئاسية الأخيرة محطة وليس نهاية الطريق بين خيارين ينقسم الأميركيون حولهما. ومن التسطيح بمكان رسم علامة التعادل بين الخيارين، إذ إن واحداً منهما يعد بتعميق الصراعات والانقسام وتأجيج التوتر الأهلي، في مقابل خيار يكرس قيم الاختلاف والتنوع والحريات الشخصية والعامة. فالمعركة لم تنتهِ بعد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة