لورينا غونزاليس
TT

الوباء والمهاجرون... دروس وعبر

من بين الإخفاقات السياسية المتعددة التي منيت بها الاستجابة الوطنية الأميركية لجائحة فيروس كورونا المستجد، استبعاد 18.1 مليون شخص – بما في ذلك 4.9 مليون مواطن أميركي – من حزم التحفيز المالي الفيدرالية سوف يعتبر واحداً من أكثر الجراح إيلاماً التي تسببنا فيها بأنفسنا – ولأنفسنا - من الناحية الاقتصادية المجردة.
فهؤلاء هم الجيران الذين يتسوقون في المتاجر المحلية، ويدفعون مختلف الإيجارات، ويغذون الاقتصاد الأميركي من خلال مشاركتهم المستمرة في القوة العاملة حتى مستوى 1.6 تريليون دولار من إسهامات الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
ووفقا لأحد الأبحاث الذي أجرته جامعة كاليفورنيا فرع لوس أنجليس في هذا الصدد، كان استبعاد المهاجرين غير الشرعيين من التخفيضات الضريبية بواقع 1200 دولار الذي نال موافقة الكونغرس في شهر مارس (آذار) الماضي قد أسفر عن خسارة تقدر بحوالي 10 بلايين دولار في النشاط الاقتصادي للبلاد – أي ما يقرب من 3.4 مليار دولار أكثر مما كانت سوف تبلغ تكلفة عدم استبعادهم في المقام الأول.
إنَّ الدور المهم الذي يضطلع به المهاجرون الموثقون وغير المسجلين في الاقتصاد الوطني الأميركي، جرى ذكره وتفسيره مراراً وتكراراً في الدراسات التي أجراها المنتدى الوطني للهجرة، ومركز أولويات الميزانية والسياسة، ومؤسسة بروكينغز، وغيرهم الكثير.
ومع الكونغرس الأميركي الذي يتفاوض راهنا على حزمة المحفزات المالية الجديدة بشأن وباء كورونا المستجد، ينبغي وضع المحفزات المالية للعمالة غير المسجلة على رأس الأولويات.
في ولاية كاليفورنيا وحدها، يشكل المهاجرون غير المسجلين نسبة تزيد على 9 في المائة من القوى العاملة، وهم يغذون خامس أكبر اقتصاد في العالم في تلك الولاية. ومن الناحية الأخلاقية والاقتصادية على حد سواء، لا بد من ضمان بقاء هذا القدر الكبير من العمالة على قيد الحياة بعد زوال أزمة الوباء الراهنة. وفي أبريل (نيسان) من العام الجاري، أعلن السيد غافين نيوسوم – حاكم ولاية كاليفورنيا – عن برنامج جديد للمساعدات المالية الطارئة بقيمة 125 مليون دولار، والذي من شأنه أن تغطي مزاياه سكان الولاية غير المسجلين. ولدى كبريات المدن في الولاية – من شاكلة لوس أنجليس وسان فرانسيسكو – أيضا برامج عامة وأخرى خاصة، معنية بتوفير شبكة الأمان للمهاجرين في البلاد الذين ليس لديهم مكان يلجؤون إليه في الظروف القاسية الراهنة. لكن، وفي غياب المساعدات المالية الفيدرالية من الحكومة الأميركية، فإنه من المتوقع للعديد من الأسر غير المسجلة أن تنهار خارج الحافة المالية الشديدة، وتسقط معها الاقتصادات المحلية المصاحبة لها.
هناك العديد من المجتمعات خارج ولاية كاليفورنيا تلك التي تتدخل من أجل جبر الفجوة الفيدرالية في التمويل حتى مع الأضرار الكبيرة التي تلحق بالمهاجرين غير الشرعيين وأسرهم. لقد بلغ معدل البطالة الوطني للعمال غير المسجلين نسبة 29 في المائة في شهر مايو (أيار) من العام الجاري، وهي نسبة أعلى بكثير من أي مجموعة سكانية أخرى في البلاد. ولقد أدى التركيز المفرط للسكان غير المسجلين في وظائف البناء، والمعمار، والخدمات التي عانت من تخفيضات هائلة ومزرية في خضم أزمة وباء كورونا المستجد، إلى تراجع بنسبة 25 في المائة في أجور هذا النوع من العمال.
ولقد خلص التقرير الذي أعدته جامعة كاليفورنيا فرع لوس أنجليس إلى أن العمال غير المسجلين وأسرهم هم من بين عناصر المساهمة الرئيسية في الاقتصاد الأميركي: هناك ما يقرب من 78 في المائة من العمالة غير المسجلة يعملون في القطاعات الأساسية من الاقتصاد الأميركي. وتحصل تلك الفئة من العمال وأسرهم على أجور هي أقل عند المقارنة بأقرانهم المولودين في الولايات المتحدة ويعملون في نفس القطاعات. وحتى قبل انتشار وباء كورونا المستجد، كانت الأسر المهاجرة تكافح كثيراً من أجل تغطية النفقات اليومية الأساسية، في الوقت الذي تحافظ فيه مشاركتهم في الأنشطة الاقتصادية على استمرار الاقتصادات المحلية في الولايات. ويؤدي الفشل في تغطية احتياجات هؤلاء السكان إلى تعميق وتفاقم الركود الاقتصادي الأميركي الناجم عن الوباء الراهن.
كما أنه من شأن قصر نظر السياسات الفيدرالية أن يلحق المزيد من الأضرار بالمواطنين الأميركيين أنفسهم من مختلف الأجناس، والأعراق، والخلفيات. ويشير تقرير جامعة كاليفورنيا فرع لوس أنجليس إلى أن المهاجرين غير الشرعيين في البلاد يساهمون بأكثر من 190 مليار دولار من الضرائب. ويواجه الأطفال المولودين للمهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة مخاطر الجوع، واحتمالات التشرد، فضلاً عن الضغوط المالية الهائلة. ورغم ذلك، اتخذ القرار برفض صرف شيكات الإعانات المالية بقيمة 1200 دولار للعائلات إن كان أحد الأبوين فيها مهاجراً غير موثق، حتى وإن كان الآخر مواطناً أميركياً كامل المواطنة. لقد أسفر الوباء الراهن عن كشف أوجه النقص والتفاوت الواضح في الرعاية الصحية والاجتماعية، فضلاً عن كيف يمكن لاستجاباتنا أن تؤدي إلى تدهور اقتصادي كبير وتفاوت عرقي أعمق. ويمكن عكس هذه الحلقة القميئة المفرغة من السياسات الممنهجة المتسمة بالتمييز، واستبدالها بأفكار سياسية جديدة ضمن حزم التحفيز المالية الفيدرالية في المستقبل. ورغم مواجهة معدلات البطالة المرتفعة، فإن العمالة غير المسجلة وأسرهم هم من العناصر ذات الأهمية في تغطية احتياجات المستهلكين، ومن أجل تحقيق الانتعاش الاقتصادي المنشود على المستوى الوطني، والمحلي، وعلى مستوى الولايات.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»