لندن... مدينة الأشباح

لندن... مدينة الأشباح

الخميس - 26 ذو القعدة 1441 هـ - 16 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15206]
جوسلين إيليا
إعلامية وصحافية لبنانية عملت مقدمة تلفزيونية لعدة سنوات في لندن وبيروت، متخصصة في مجال السياحة.

«مدينة إذا سئمت منها يعني أنك سئمت من الحياة»، هذه العبارة ليست من ذكائي وتأليفي إنما تعود للكاتب البريطاني سامويل جونسون، هكذا وصف الكاتب مدينته الجميلة والراقية لندن في القرن السابع عشر، والحمد والشكر لله أن جونسون لم يكتب له ليعيش أيام «كورونا» وليرى ما فعله هذا الفيروس اللئيم بمدن العالم ومدينته النابضة بالحياة.
يعيش في لندن أكثر من ثمانية ملايين نسمة، ويزورها في العام الواحد حوالي 19 مليون سائح، إنها مدينة غنية عن التعريف، يعشقها معظم العرب، ويصعب على من عاش فيها لفترة من الوقت أن يشد العتاد ويهجرها. ولكن الوضع اليوم جعلها فعلا أشبه بمدينة تسرح وتمرح فيها الأشباح بدلا من السياح الذين كانوا العصب الحيوي والاقتصادي والاجتماعي فيها.
فتحت المطاعم والمحلات أبوابها، ولكن روح لندن الحقيقية مفقودة، شوارعها حزينة، فهي فارغة وتبدو حزينة، أشبه بامرأة لم تجد قلبا يحبها، أهم متاجرها وأكبرها تخلو من الزبائن، ساحاتها الأشهر مثل الطرف الأغر وبيكاديللي ومنطقة كوفنت غاردن التي تعتبر من أجمل وأهم مناطق المسارح والفن مهجورة تماما. شبح فقدان الوظائف يخيم على من حالفهم الحظ وبقوا في وظائفهم، في حين أن الشبح لا يترك من خسر وظيفته وعليه أن يتعايش مع واقع صعب ومرير.
من قال إن يوما يأتي فيه ليستملك فيروس لا نراه على حياة الناس ونفسيتها وعلى مدن بأسرها ؟ هذا الأمر لم يكن بالحسبان.
العرب اشتاقوا للندن ونحن سكانها نشتاق إليها أيضا، نشتاق إلى روحها الفرحة والرزينة بنفس الوقت، فهي أشبه بسيدة راقية وجميلة ومرحة ومثقفة وبنفس الوقت وقورة وقوية. أما اليوم فهي مدينة لم يتآمر الفيروس عليها فقط، إنما ساهمت قرارات الحكومة وعمدتها المتضاربة والعشوائية في شل حركتها بشكل تام بعد تمديد فترة الدفع لدخولها لغاية الساعة العاشرة مساء ورفع سعر ركن السيارات، في وقت ينادي فيه السياسيون بعدم استخدام وسائل النقل العام إلا للضرورة القصوى.
المكاتب لا تزال مغلقة في غالبيتها، وهذا الأمر قضى على المقاهي والمحلات التي كانت تعتاش على مقاسمة الموظف راتبه.
شارع أكسفورد في هذا الشهر من العام يكون أشبه بخلية نحل لا تعرف الكلل، ولكن الشارع اليوم لا يزوره إلا من اضطر لذلك لسبب أو لآخر.
كان يعاني سكان منطقة نايتسبريدج من ضجيج سيارات الشباب العرب الذين يجلبون أجمل ما آلت إليه تصميمات السيارات ولكنهم اليوم يتمنون لو أنهم يعودون إلى المدينة ويلوثون الأصداء والأجواء بأصوات السيارات الأشبه بمركبات فضائية. العرب كانوا يساهمون في استمرارية الفروسية وسباق الخيل، اليوم حتى الخيل يشعر بالوحدة ويتساءل عما حصل لهؤلاء الزوار، الشوارع اشتاقت لروائح العطور والعود التي كانت تفوح من السيدات العربيات، فاليوم حتى رائحة لندن تغيرت.
في لندن نشعر بالمسؤولية تجاه المحلات التجارية والمقاهي ونسعى لإنقاذها من الإقفال التام، ولكن الظروف الراهنة والترهيب الإعلامي والمعلومات المتضاربة حول الفيروس تجعل الناس خائفة وغير مطمئنة.
أنا من الأناس الذين يعشقون الخروج وزيارة المطاعم والمقاهي، وكنت على أهبة الاستعداد للعودة إليها، فعدت إليها ولكن بأي حال عادت المطاعم، فهي مسورة بالستائر البلاستيكية، فيها مدخل ومخرج منفصلان، والأسوأ من هذا كله هو خوف الناس من بعضهم البعض، فإذا اقترب منك أحدهم ترى نفسك تبتعد وتنتفض رغما عنك ونفس الشيء يحصل إذا ما قدر الله واقتربت من أحد الموجودين.
الحياة لم تعد إلى ما كانت عليه وشبح الموجة الثانية يعشش في أذهاننا. لندن المدينة التي يصعب أن يسأم أحدهم منها هي نفسها سئمت من الحياة الراهنة وتفكر بالرحيل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة