لبنان: إحباط الانتفاضة أو حروب الطوائف

لبنان: إحباط الانتفاضة أو حروب الطوائف

الخميس - 26 شوال 1441 هـ - 18 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15178]

ليالي العنف التي شهدتها مدينتا بيروت وطرابلس ابتداء من السادس من يونيو (حزيران)، أعادت التذكير بأشباح حروب الطوائف، ورسمت الحدود التي يمكن أن تصل إليها كل انتفاضة سلمية ضد الجماعة المهيمنة على لبنان.
كان يكفي نزول بضع مئات من الشبان إلى شوارع وسط العاصمة، وإطلاق كلمات نابية ضد رموز دينية، ثم محاولة بضع عشرات من راكبي الدراجات النارية الدخول عنوة إلى منطقة عين الرمانة المسيحية، حتى يرتفع الحاجز الافتراضي الذي منع تطور أي حركة ديمقراطية أو مدنية في هذا البلد، وأن يتذكر اللبنانيون خطوط تماس ما زالت تفصل بينهم بعد ثلاثين عاماً من آخر حروب استتباعهم.
ومنذ أواسط القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين، كان كل تصاعد للصراع الاجتماعي والسياسي حتى لو كان ضمن البيئة الطائفية الواحدة على غرار انتفاضة فلاحي كسروان ضد إقطاعيي آل الخازن في 1858، لا يلبث أن ينقلب اقتتالاً طائفياً تختفي معه الأسباب الاجتماعية المحركة للانتفاضة، لتحضر حقيقة التركيبة الهشة للكيان اللبناني وقابليته لكل أنواع التدخل الأجنبي؛ من نزول الحملة الفرنسية في 1860 إلى وصول مشاة البحرية الأميركية إلى شواطئ بيروت في أعقاب أحداث 1958، وصولاً إلى تدخل القوات السورية في 1976 لإحباط التقدم اليساري – الفلسطيني، وإعادة تثبيت صيغة الحكم القائمة منذ 1943. تضاف إلى ذلك تدخلات وهجومات لا تحصى لقوى ودول وظفت تناقضات اللبنانيين وهزال اجتماعهم وبنيتهم السياسية، في برامج لم تجلب غير الدمار وترسيخ الانقسامات الأهلية ما دون الدولتية.
ولا يُستثنى من جملة التدخلات هذه التمدد الإيراني الذي جعل من لبنان أرضاً لمواجهة الإيرانيين وأنصار النظام السوري من جهة، وبين الولايات المتحدة التي شهرت سيف العقوبات بشعار تنفيذ «قانون قيصر» من جهة ثانية، كأثر جانبي لتوريط لبنان في الحرب السورية التي عمقت التفسخ الأهلي، ورفعت التوتر المحلي.
اكتشف ناشطو مجموعات الانتفاضة، إذن، أن فشلهم في انتزاع تنازل سياسي في ذروة الحراك في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) الماضيين، أفسح في المجال أمام السلطة وأحزابها لإحياء آليات هيمنتها الطائفية المستمدة من خوف الجماعات المتبادل بعضها من بعضها، يعضده جوع متفاقم بات عنصراً من عناصر «الثورة المضادة» إذا جاز القول؛ حيث يتيح للساعين إلى إجهاض الانتفاضة وإفراغها من مضمونها التغييري حشد المئات من الفتية المستعدين للقيام بكل شيء مقابل مبالغ مالية لا تُذكر. كانت أعمال حرق المحال التجارية في بيروت وطرابلس علامة على تعفن الانتفاضة، وبلوغها الطريق المسدود، وعجزها عن رفع مستوى خطابها وممارستها للرد على التحديين الطائفي والعنفي، أي بالضبط ما رفضته مئات آلاف المتظاهرين منذ اليوم الأول للانتفاضة.
والحال أن ما من أحد بقادر على التنبؤ بمزاج شارع غاضب، وواقف على حافة الجوع، وتنهشه البطالة بنسب لم يعرفها لبنان في أسوأ أيام حروبه السابقة. كثير من الدلائل تتوالى عن احتقانات داخل الطوائف؛ خصوصاً في صفوف السُّنة والشيعة قد تفوق في عنفها وحدَّتها الصراعات بين بعض أصحاب المذهبين. تهالك زعامة سعد الحريري وإصرار عدد من الشخصيات السنية على منافسته، فيما يُقال إنها معاقل تقليدية لتيار المستقبل، بالمال والدعاية والتحريض لا يضاهيه إلا استياء جمهور شيعي أُغلقت في وجهه أبواب الاحتجاج بضغط من الثنائي الشيعي: «حزب الله» و«حركة أمل»، في ظل تدهور عام للمستوى المعيشي، وتقلص الخدمات التي كان الثنائي يقدمها لمناصريه. يفاقم هذه الضغوط استمرار مساعي أتباع النظام السوري اللبنانيين على توفير مصادر الدعم المالي له من الموارد اللبنانية الشحيحة.
وليس أسهل على السياسيين اللبنانيين من اللجوء إلى لعبتهم الأثيرة، بحرف كل استعصاء اجتماعي واقتصادي عن مساره الوطني العام، الذي ظن كثير من اللبنانيين في بداية الانتفاضة أنه سيوحدهم في وجه الطغمة الحاكمة، ودفعه نحو التقاتل الأهلي، في تكرار مضمون النجاح لتجارب مماثلة قديمة وجديدة. فبذلك تعود خريطة الصراعات إلى وضوحها، وتستعيد الجماعة الحاكمة المؤلفة من تحالف كاره لكل إجماع وطني، القدرة على السيطرة، وتستعيد «هيمنتها» السياسية؛ بل و«الثقافية» بمعنى الخطاب المعمم والسائد.
قبل عقود، اكتشف كُتاب لبنانيون كانوا شباناً، أن لبنان يقيم بين دمارين: فإن صعَّد انخراطه في الصراعات الإقليمية ستجتاحه إسرائيل، وإن ارتفعت حدة التناقضات الاجتماعية الداخلية ستندلع فيه حرب أهلية. وقد حصل الأمران في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. وها نحن نقف مجدداً أمام بلاد تستعد للسير إلى خراب جديد من دون أفق حل، أو أمل في تغيير وإنقاذ.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة