د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

فاقد «الأربعة» لا يعطيها!

كانت الولايات المتحدة تعيش ما يشبه الأزمة لدى القياديين عموماً بين عامي 1960 و1980، حتى إن الرئيس الأميركي جيمي كارتر قد وصف البلاد في تلك الحقبة بأنها عاشت حالة من «عدم الارتياح واليأس». وقد خيمت هذه الأجواء إبان محاولات اغتيال قياديين وطنيين، والانسحاب من حرب فيتنام، وفضيحة ووترغيت، وأزمة الرهائن الأميركيين في سفارتهم في إيران وغيرها، كل ذلك قاد إلى «الشعور بفقدان الثقة بالمؤسسات ومفهوم القيادة بصورة عامة»، بحسب وصف الباحث الشهير وارين بنيز، الذي كان مستشاراً لأربعة رؤساء أميركيين وغيرهم في كبريات الشركات.
فهذا المناخ «المعقد دفع قياديين في شتى الميادين للشعور بشيء من العجز أو أنهم قاصرو اليد»، فضلاً عن شواهد اقتصادية وإدارية عديدة تم سردها، الأمر الذي دفع الباحث بنيز إلى حزم حقائبه والانطلاق في رحلة إلى كل أنحاء الولايات المتحدة، في محاولة للالتقاء بتسعين قيادياً بارزاً، لديهم سجل إنجازات حافل وموثق. وتم انتقاؤهم بطريقة علمية لفهم ما يجري على أرض الواقع. وكان ثلث من التقاهم من البارزين في القطاع العام والغالبية في القطاع الخاص (60 في المائة) باعتباره عصب الاقتصاد بمنتصف الثمانينات. منهم مثلاً رئيس شركة ماكدونالدز الأشهر راي كروك، ونيل آرمسترونغ أول من وطئت قدمه سطح القمر، حيث كان في منصب قيادي حينها.
وكان هدفه معرفة ما هي كفاءات competencies القياديين البارزين، فتبين له أنها أربعة أمور؛ وهي الرؤية الواضحة، والثقة، والإبداع في تطوير الذات، والجانب الاجتماعي أو التواصلي.
وتنبع ثقة الناس بمن يقودهم من عدم مناقضته لنفسه، وأنه جدير بأن يعتمد عليه لكونه يقود دفة المؤسسة، ويحمل توجهاً واضحاً، وقد بدأ فعلياً بإنجازات يشار إليها بالبنان. والأهم أن يكون ذلك في ظل جهد دؤوب و«مستمر» مهما كانت أجواء التحديات أو عدم اليقين. فالاستمرارية هي المحك في الثقة، فبعض المسؤولين يبدأ منصبه «بفرقعة» إعلامية سرعان ما تذبل ثم يعود إلى يوميات تقليدية يتحول بها إلى مجرد مدير عادي لم يعد ملهماً لمن حوله. وقد خسر ما تبقى له من رصيد الثقة. وهذا ما يجعل المهمة التي يحملها القيادي على عاتقه صعبة، فهو يتوقع منه أن يدهش، ويؤثر، ويغير، ويحسن، ويتصدى للمخربين، وفوق هذا كله يتحمل معاناة تذمر من «لا يعجبهم العجب».
ومن حق المرء أن يستغرب حينما يجد مسؤولاً رفيعاً ليست لديه «رؤية»، وإن كانت موضوعة ممن سبقه، فيومياته وقراراته لا تعكس توجهه نحو تلك الرؤية. ووجود الرؤية هو ما يجعل بعض المسؤولين يصل قبل غيره، فيما يراوح آخرون في مكانهم ثم يصبون جام غضبهم على الناس من حولهم.
واتضح أيضاً أن مسألة تألق القياديين البارزين كان وراءها إبداعهم في تطوير أنفسهم، إذ كان ديدنهم التركيز على مواطن قوتهم بدلاً من الولوج في دوامة تطوير نقاط ضعفهم. وهذا النقص أمر يمكن سده عبر توظيف آخرين يردمون فجوة نقاط ضعفنا لتمضي بنا عجلة التقدم والإنجاز.
واتضح أن أولئك القياديين يحسنون «التواصل مع الآخرين» وتهيئتهم لمراحل جديدة من التغيير المؤسسي.
والمفارقة كانت أن «التقدير الإيجابي من قبل القيادي لذاته» في الدراسة قد انعكس على مشاعر من حوله فصاروا يبادلونه تلقائياً ذلك الشعور، حيث ولد لديهم المزيد من الثقة وارتفاع سقف التوقعات. وتبين كذلك أن هؤلاء الأعلام في مجالاتهم لم ينفكوا يتعلمون ويستمرون في تطوير عقولهم وتعميق تجاربهم حتى صارت لديهم قوة في مواجهة التحديات وتخطي العقبات بمهارة. تماماً كما الأطباء يركزون على ما يحسنون (تخصصهم)، وإذا ما حادوا عن التخصص صاروا أكثر عرضة لتعريض حياة الآخرين للخطر.
خلاصة القول إن هذه الدراسة التي نشرت في كتاب «القياديون» لبينز وارين، واقعية، ولذا استحق الإصدار أن يكون «من أفضل خمسين كتاباً في عالم الأعمال على الإطلاق»، كما وصفته «الفاينانشيال تايمز» البريطانية. وزبدته أن كفاءة القائد يمكن أن تنبثق من أربعة أمور وهي: رؤيته الثاقبة، وثقته، وجانبه الاجتماعي، فضلاً عن تطويره المستمر لذاته ليستمر في إدهاش من حوله. غير أن فاقد الشيء لا يعطيه.