انتعش موضوع «إدارة الأزمات» في أدبيات الإدارة بُعَيد وقوع مجموعة من الحوادث الشهيرة. ومن أشهر قصص إدارة الأزمات تلك الحادثة الشهيرة التي وقعت لامرأة كانت ترتاد أحد مطاعم الوجبات السريعة فسبب لها قدحاً من القهوة الساخنة حرقاً غائراً من الدرجة الثالثة، الأمر الذي أدى إلى تغريم الشركة بمبلغ مبدئي قدره 2.9 مليون دولار وذلك في عام 1992. وكذلك في عام 1982 أضاف أحد الأشخاص غاز السيانيد السام لكبسولات منتج التايلينول، الأمر الذي أدى إلى مصرع سبعة أشخاص وخسائر بلغت أكثر من 100 مليون دولار للشركة المنتجة.
وقد تفتَّقت قريحة الكتّاب عن مادة غزيرة بعد كوارث أخرى؛ منها الانفجار الهائل لبركان سانت هيلين عام 1980 الذي خلف خسائر بلغت نحو أكثر من ملياري دولار، وانفجار السفارتين الأميركية والفرنسية في هجوم عسكري في بيروت عام 1983، وانفجار مفاعل تشرنوبل للطاقة النووية سنة 1986. وانفجار طائرة Pan Am المدنية فوق أجواء لوكربي في اسكوتلندا عام 1988، فتناثرت أشلاء الجثث فوق تلك البلدة. وقد أدين بها ضابط المخابرات الليبي عبد الباسط المقرحي بجريمة الإبادة الجماعية والذي سلمته بلاده للمحكمة فسجن عام 2001 لمدة 27 عاماً، ثم أخلي سبيله بعد 8 أعوام لدواعٍ إنسانية إثر إصابته بمرض السرطان. هذه الحادثة بحد ذاتها مدرسة في إدارة الأزمات خصوصاً بعد أن خنق الحصار دولة عربية شقيقة لنحو عقد كامل وغير فيها مجريات أحداث كثيرة.
كل هذه الحوادث أو الفواجع مهدت الطريق وبقوة هذه المرة لانتعاش أدبيات «إدارة الأزمات» التي اتفقت على أنه ليست هناك طريقة واحدة أو خريطة طريق لحل الأزمة. فكل أزمة هي حدث مختلف في توقيته وعناصره ومناخه. فما نفعله الآن يصعب أن نكرره لاحقاً بعد سنوات، حتى وإنْ تشابه الحدث لأن التوقيت والظروف قد تغيرا.
أما أبرز ما يتفق عليه في إدارة الأزمة هو حسن التعامل مع الإعلام. وهو ما يجب أن يكون أهم عنصر في معركة إدارتها. فبعض المسؤولين يعتبر أن الإعلام عدوه اللدود طوال الأزمة فيحرمه من الحقائق. وينسى أن الحقيقة سوف تظهر عاجلاً أم آجلاً، أما في عصرنا فصارت تظهر بسرعة البرق. وكتم الحقائق هو تعزيز لبيئة الإشاعات. ولذا نجد بلدان العالم التي تحترم شعوبها صارت تقدم مؤتمرات صحافية شفافة لعدد وحالات الإصابة بفيروس «كورونا المستجد» الذي شل الكرة الأرضية في حادثة غير مسبوقة. وانهارت بسببه أنظمة الرعاية الصحية في أقطار عدة بسبب عدم مقدرتها على استيعاب عدد المصابين.
ولذا قدم الباحث كونزاليس هيريرا وزميله برات نموذجاً عام 1995 (GHP) ينطبق على القطاعين العام والخاص من أربع مراحل؛ الأولى: إدارة شؤون الأزمة. هنا تبدأ عملية مسح لكل شيء من حولنا وتجميع البيانات بدقة وكل ما يمكن أن يتطور إلى أزمات أخرى صغيرة داخل هذه الأزمة. باختصار محاولة تجنب تفاقم الأزمة وإدارة المشهد الحالي. على سبيل المثال لا يمكن أن تتجاهل اعتصامات هائلة أو مؤشرات قرب حدوث زلزال من دون الاستعداد الجدي. مشكلة بعض الجهات أنها تنتظر وقوع المشكلة حتى تتعامل معها بطريقة ردود الفعال، غير أن الاستعداد للمشكلة قضية مهمة لتقليل التداعيات وحسن إدارة الموقف بأسلوب المبادرة (المرحلة الثانية). أما المرحلة الثالثة فهي ضرورة تقييم ما نفعله بصورة دورية وإلا سنقع في مشاكل أكثر فداحة. والرابعة هي مراقبة دقيقة لمجريات الأزمة حتى تتلاشى كلية ونفرح جميعاً بزوال الغمة.
مشكلة الأزمات أنها عادلة، لأنها لا تفرق بين القطاعين العام والخاص والأفراد، فتضرب الجميع على حد سواء. ولذا كان الاستعداد المهني للأزمة، وحسن مواجهة الجمهور بالحقائق أول خطوة نحو محاولة تقليل تداعيات الأزمات.
10:10 دقيقه
TT
قصص إدارة الأزمات
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
