الكمامات لن تحجب جمال الأرض

الكمامات لن تحجب جمال الأرض

الثلاثاء - 29 رجب 1441 هـ - 24 مارس 2020 مـ رقم العدد [15092]
داود الفرحان
كاتب عراقي

كل رائد فضاء، مهما كانت جنسيته، هو سفير للأرض كلها، وليس لبلاده وحدها. ولو قُدر له أن يلتقي أحداً من سكان الكواكب في الفضاء الخارجي وسأله: من أين أنت؟ فسيرد عليه فوراً: من الأرض، ويشير بيده إليها مع نظرة تفاخر. سينسى أنه من ولاية نيويورك في الولايات المتحدة ومن مواليد مدينة نيويورك؛ حيث مبنى الأمم المتحدة، المطبخ الرسمي للخطب الرئاسية والاجتماعات التي لا تنتهي، والمشاحنات بمختلف اللغات. سيقول إنه من الأرض؛ الكوكب الجميل، بجباله، وهضابه، ومحيطاته، وبحاره، وبحيراته، وسهوله، ووديانه، وصحاريه، وغاباته، وبساتينه، وأدبه، وفنونه، وعلومه. سيتجاهل أنه من بلد يحكمه اليوم دونالد ترمب، وشعبه مهاجرون وفدوا من أنحاء الأرض. لن يقول إن لدينا هوليوود ولاس فيغاس، ولن يشير إلى أن بلاده تمتلك قنابل ذرية، وغواصات، وبوارج، وصواريخ، وإنترنت، ووكالة «ناسا» التي أوفدته إلى الفضاء. وفي المقابل فإن المخلوق الفضائي وهو من سكان عطارد، أو المريخ، أو المشتري، أو الزهرة، أو زحل، أو أورانوس، أو نبتون، لن يسأله عن أصله وفصله وعشيرته ودينه وطائفته وأغنيته المفضلة؛ لكنه سيرحب بهذا المخلوق القادم من الأرض، ويدعوه إلى وليمة فضائية لا اسم لها ولا شكل ولا لون؛ مجرد بخار يتنفسه ويتغذى به من جلده؛ لأنه لا يملك فماً؛ لكنه يملك حنجرة وغلاصم وأجنحة، تؤمن له التفاهم مع الآخرين من سكان الكواكب، أو التنقل من مكان إلى آخر!
ياما تغزلنا بالقمر والنجوم والسماء الزرقاء والشفق والغسق و«الفسق» على رأي عادل إمام. غنت فيروز: «نِحنا والقمر جيران... بيتو خلف تلالنا... بيطلع من قبالنا... يسمع الألحان». وأنشد محمد عبد الوهاب: «عندما يأتي المساء ونجوم الليل تُنْثَر... أسأل الليل عن نجمي: متى نجمي يظهر؟». وغنت أم كلثوم: «القمر من فَرْحِنا ح ينَور أكتر... والنجوم ح تبان لنا أجمل وأكبر». وبَشَّرَتنا فايزة أحمد: «يامَّا القمر عالباب... نَوَّر قناديلو... يامَّا أردّ الباب ولّا أناديلو؟». وغنى عبد الحليم حافظ: «عاشق ليالي الصبر مدَّاح القمر... عشق العيون السمر غواني السهر... وفارد ضفايرك عالقمر... يابو ضحكة حلوة منورة ليل السهر». وأطربنا محمد عبد المطلب بقوله: «أول ما شفت القمر طلع لنا بدري... أنا قلت جاله خبر إني حاشوف بدري». وتساءل محمد فوزي: «مالو القمر مالو.. ما جيناش على بالو؟». وأعلن ملحم بركات: «على بابي واقف قمرين». وغنت المطربة الريفية العراقية القديمة وحيدة خليل: «أنا وخِلّي تسامرنا وحكينا... نزهة والبدر شاهد علينا». وحده شعبان عبد الرحيم غنى: «أنا بحب عمرو موسى وأكره إسرائيل.. هيييييه»!
آلاف القصائد والأغاني العربية تغزلت بالقمر والنجوم، وكل بدايات الشعراء كانت مع القمر والنجوم، سواء في خيمة أو مقهى أو جبهة حرب؛ لكن رواد الفضاء لهم رأي آخر، فهم في مركباتهم يتغزلون بالأرض، وليس بالقمر ولا المريخ ولا «نجم سهيل».
قبل ثلاثة أعوام، انتهت مهمة رائد الفضاء الفرنسي توماس بيسكي، الطيار السابق في الخطوط الجوية الفرنسية، وغادر مركبة الفضاء الدولية «ISS» عائداً إلى الأرض، وتحديداً إلى صحراء كازاخستان. لم يتحدث توماس بعد عودته عن جمال القمر والأجرام السماوية الأخرى كما رآها من الفضاء الخارجي؛ لكنه تحدث عن الأرض ووصفها بأنها «جوهرة» بينما يعتقد بعضنا أنها «مزبلة». هو حَنَّ إلى عائلته حتماً، إلا أن أكثر ما اشتاق إليه: «الشعور بالحرية». فمركبة الفضاء تشبه زنزانة السجن، ومساحتها تزيد قليلاً على أربعة أمتار مربعة، يقضيها رائد الفضاء أمام الأجهزة الحساسة والرموز والأرقام، والاتصالات مع وكالتي الفضاء الأوروبية والفرنسية. ويعني توماس بالحرية التي اشتاق إليها: الخروج للتنزه، وركوب الدراجة الهوائية، وتسلق الجبال، والسباحة في البحر، والإحساس بالرياح والمطر والروائح المختلفة، وتأمل المناظر الطبيعية الجميلة. وقد وَثَّقَ رحلته بمئات الصور وأشرطة الفيديو، ومعظمها عن الأرض، وليس عن الفضاء؛ الشفق القطبي الشمالي، والمدن الأكثر إضاءة، وأوروبا من الفضاء، مع البرق والرعد في الأفق الذي يتغير لونه من الأخضر إلى البرتقالي. هذا نهر «بيتسيمبوكا» في مدغشقر. هذه صحراء الربع الخالي في المملكة العربية السعودية. وهذه كيلومترات من المياه الزرقاء، ورمال جزر البهاما. وتلك صورة أمواج البحر من الفضاء في مشهد ساحر، كما قال توماس، أستطيع أن أتخيل صوتها وهي تصدم الساحل. تحت مركبتنا الآن فينيسيا «البندقية» المدينة الإيطالية التي توشك على الاختفاء.
هل يمكن أن تتصوروا سُمك الغلاف الجوي الأرضي الذي يحمينا من عاديات الفضاء وثقب الأوزون والأشعة المؤذية؟ إنه رقيق أكثر مما تتخيلون، ويبدو مثل سوار رفيع يحيط بهذا الكوكب. والرائد توماس حذرنا من المساس بهذا الغلاف الثمين الذي يحفظ شكل الحياة على أرضنا.
وهل تعلمون أن رواد الفضاء يشاهدون الغروب أو الشروق مرة واحدة في كل 45 دقيقة؛ لأن محطتهم تدور حول الأرض مرة واحدة كل 90 دقيقة؟ أي أن رائد الفضاء إذا كان مسلماً وصائماً فإنه يفطر كل 45 دقيقة، ويتسحر بعد 45 دقيقة أخرى. وعلى مستوى عقلي، ومن دون حساب دوران الأرض وحركة المركبة والمتغيرات الفضائية، فإن يوم الصيام 90 دقيقة فقط، وضمنها فترة الإفطار. وبالمنطق الجدلي نفسه، فإن المؤذن الفضائي يؤذن كل 10 دقائق وتعقبه صلاة! أي أن المركبة الفضائية تُحلق وفق نظرية: «سيري فعين الله ترعاكِ»؛ لأن الرواد صائمون، وكل رمضان وأنتم بخير.
وفي أيام الفضاء العادية، في بقية أشهر السنة الهجرية أو الميلادية، فإن رائد الفضاء يتناول الوجبات الثلاث كل ساعة ونصف؛ «الكرواسون» أو «الجبنة» في نصف الساعة الأول، ثم الفاصوليا في بداية نصف الساعة الثاني، يليه في نصف الساعة الثالث «الهامبرغر»، أو قطعة من السمك المشوي! وبعيداً عن الخيال، لا توجد في الفضاء قوانين للوقت، أو أيام الأسبوع أو الأشهر أو السنوات، وإنما يقاس الزمن بعدد أيام الرحلة الفضائية، وفقاً ليوم الانطلاق ويوم العودة. وأستغفر الله لي ولكم، وفوق كل ذي علم عليم.
أتذكر أن يوري غاغارين، الطيار الروسي، وأول رائد فضاء حلَّق حول الأرض في عام 1961، لم يضيع وقته في تصوير أرضنا، أو الإعراب عن إعجابه بفينيسيا وجزر البهاما وأستراليا؛ لكنه - وهو الشيوعي - قال جملة واحدة ستخلد في ذاكرة الزمن: «حين صعدتُ إلى الفضاء أخذتني روعة الكون، فمضيتُ أبحث عن الله» الخالق الخلاق.
كل هذا الجمال، وكل هذا الدلال، هددهما فيروس لا يُرى بالعين المجردة، اسمه «كورونا»، ومعناه باللاتينية «التاج» أو «الكراون» بالإنجليزية، وبالمكسيكية هي نوع من البيرة، وبالمصرية نوع من الشوكولاته!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة