السلطة الخامسة

السلطة الخامسة

الأحد - 14 جمادى الآخرة 1441 هـ - 09 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15048]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

جدل دائر في بلد أعرق الديمقراطيات وأم البرلمانات حول علاقة الحكومة بالسلطة الرابعة وعلاقة الأخيرة بالمواطن.
الصحافة المرئية والمسموعة تتهم حكومة المحافظين، التي تمكنها أغلبيتها البرلمانية من تعديل القوانين، بالثأر منها؛ فالشبكات كانت مؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، وحاولت توجيه الرأي العام أثناء الحملة الانتخابية للانتهاء إلى برلمان معلق. وحكومة ضعيفة تعني دوراً متعاظماً لشبكات البث.
31 يناير (كانون الثاني)، ليلة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لم تبث «بي بي سي»، التلفزيون القومي الممول مباشرة من الشعب، كلمة رئيس الوزراء بوريس جونسون للأمة في المناسبة التاريخية، واكتفت بجزء مقتضب منها ضمن فقرة إخبارية. الشبكات الأخرى تبعت موقف «بي بي سي». المفارقة أن تلفزيون «روسيا اليوم» الممول من الكرملين، بثها مباشرة، بينما الخط الروائي الإخباري (The Narrative) للشبكات البريطانية أن «روسيا اليوم» هي بروباغندا موسكو، العدو الدولي في الحرب الباردة الجديدة مع بداية العقد الماضي. ميادين لندن والمدن الكبرى شهدت احتفالات شعبية بالاستقلال عن بروكسل، ألقيت فيها كلمات عامة. شبكات التلفزيون كانت في وادٍ آخر غير الوديان والسهول والتلال والشوارع التي أنشد فيها غالبية الشعب النشيد الوطني للبلاد «حفظ الله الملكة».
أسوق المثال لأن العلاقة بين الشعب، والسلطة الرابعة، ومنصات البث الصحافي في بلدان قراء صحيفة «الشرق الأوسط»، أصبحت أيضاً محل تساؤلات خصوصاً فيما يتعلق بالإصلاحات الديمقراطية. من بالفعل يملك توجيه هذه المنصات ووسائل التواصل؟ الجدل بلغ أوجه واحتدم أثناء وصبيحة الانتفاضات التي بدأت في 2011.
تطور الجدل بعدها حول تأثير هذه الوسائل على الرأي العام، وهل أصبحت أدوات تنوير أم وسائل قضت على التأثير الإيجابي التقدمي لجيل الحداثة التي بدأت قبل 200 عام في مصر وأثرت على المنطقة.
أهي مسؤولية الإذاعة والتلفزيون الرسمي، المملوك للدولة أو الممول منها في هذه البلدان ولسان حالها المعبر عن سياستها العامة؟
أم الصحافة المطبوعة ومعظمها خاصة تجارية (باستثناء الأحوال التي أممت فيها الحكومة الصحف المطبوعة كمصر عام 1961) تعتمد على التوزيع وتأثيره ارتفاعاً أو نقصاً على الدخل من البيع والإعلان؟ أم هي مسؤولية نوع ثالث من الصحافة ظهر في ربع القرن الأخير في البلدان العربية، وهو شبكات التلفزيون والإذاعة الخاصة التجارية المستقلة عن الدولة، وهي متهمة بالتأثير الرجعي السلبي الذي قضي على التنوير والحداثة؟
حتى سنوات قليلة مضت، أمكن قياس اتجاهات الرأي العام، بل وتغييرها، بقياس أعداد المشاهدين وأرقام توزيع الصحف. ظهور وسائل التواصل الاجتماعي غير الحسابات، فهي منصات مستقلة تماماً يختار فيها المستهلك ما يريده من برامج وفقرات أنتجتها الشبكات الرسمية والخاصة، بل وتمكن الأفراد من إنتاج فقراتهم الإخبارية كما تصبح ساحة برلمانية فضائية للجدل السياسي. معظم استطلاعات الرأي من انتخابات الرئاسة الأميركية قبل 4 أعوام حتى الانتخابات البريطانية الأخيرة مروراً باستفتاء «بريكست» كانت خاطئة لغياب أدوات فاعلة لقياس اتجاهات ملايين الناخبين على وسائل التواصل الاجتماعي.
بريطانيا لا يوجد فيها تلفزيون أو إذاعة رسمية أو حتى وكالة أنباء رسمية تمثل وجهة نظر الحكومة. لرقم 10 داوننغ ستريت، مقر رئيس الوزراء، وللوزارات مواقعها التي تبث فيها على الإنترنت، وعلى صفحاتها على «فيسبوك» وعلى «تويتر» محاولة للحاق بسابقة وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مكنته من تجاهل معظم الشبكات والصحف المناوئة ومخاطبة الناخب مباشرة.
«بي بي سي» التي تعدّ واجهة بريطانيا للعالم عبر الإذاعات والخدمات باللغات المختلفة، هي حالة فريدة. فتمويلها المباشر من الشعب منحها استقلالية لا مثيل لها. رخصة التلفزيون رسوم مفروضة على كل بيت 154.5 جنيه إسترليني في العام تزيد 3 جنيهات إلى 157.5 جنيه من أول أبريل (نيسان)، السنة المالية في بريطانيا.
«بي بي سي»، كمؤسسة الصحة القومية المجانية العامة، تعدّ بقرة مقدسة (بالحكمة الهندية) في الشعور البريطاني العام. ولذا تركزت الدعاية المضادة للمحافظين والدعاية المناهضة لـ«بريكست» على الادعاء بأن حكومة بوريس جونسون تعمل على تخصيص الخدمات الصحية للشركات الأميركية. وهي بروباغندا مزيفة قبلت الشبكات ترويجها.
عدم دفع الرخصة يعدّ مخالفة جنائية تعاقب بالغرامة أو السجن أو كليهما.
المزاج الثقافي الاجتماعي اليساري الليبرالي الذي يسيطر على التفكير الجمعي المشترك لهيئة تحرير «بي بي سي» وصناع برامجه الإخبارية والترفيهية والدرامية، ينحصر في أقلية الطبقة الوسطى في لندن، ولا يعبر عن موقف الغالبية الساحقة للبريطانيين المجبرين على دفع رسوم رخصة التلفزيون. هذه المواقف جعلت البريطانيين أقل تعاطفاً مع «بي بي سي» عما كان عليه الوضع قبل 5 أعوام. قرار الهيئة بإنهاء إعفاء المسنين فوق الخامسة والسبعين عاماً من دفع الرخصة قلل من شعبيتها لدى كبار السن.
حكومة جونسون المحافظة بدأت استشارة واسعة على مستويات مختلفة لتعديل قانون رسوم التلفزيون لإنهاء العقوبة الجنائية عند عدم دفعها، لتصبح خصومة تجارية كحال فواتير الكهرباء والغاز. فعدم دفع فاتورة الكهرباء هو إخلال بالتعاقد بين المستهلك والشركة المعنية، وتلجأ الأخيرة للقضاء لتحصيله. تغيير لائحة رسوم رخصة «بي بي سي» لن يكون كمثال شركات الكهرباء فحسب، بل يجعل دفع الرسوم مسألة اختيارية، نظراً للتكاليف التي ستتكبدها الهيئة في حال اللجوء للمحكمة عند امتناع الآلاف وربما الملايين عن دفع الرخصة.
وربما يكون دافع حكومة جونسون سياسياً حسبما تتهمه الشبكات مثل معاقبتها على موقفها - أو لتجاوز احتكار الشبكات غير المتعاطفة للأخبار، لكن الحقيقة الواقعية وراء جرأة جونسون في ذبح «البقرة المقدسة» هو تغير الموازين الاقتصادية والتكنولوجيا التي وفرت حرية الاختيار للمواطنين.
الأغلبية الساحقة فقيرة تفضل الأقساط الشهرية. «نت - فليكس» اشتراكها الشهري سبعة جنيهات وشبكة «ايكرون» 2.5 جنيه، أي سنوياً 60 في المائة و19 في المائة من رسوم «بي بي سي» التي تحصل دفعة واحدة.
هناك أكثر من 12 شبكة خاصة تتهمها «بي بي سي» بغياب برامجها الإخبارية كمبرر لاستمرار الرسوم الإجبارية. التكنولوجيا الحديثة تتمكن من استقبال شبكات منافسة كـ«سكاي» و«سي إن إن»، وكحال «روسيا اليوم» مع خطاب جونسون. والمواطن، أصبح السلطة الخامسة بقدرته في الحصول على الأخبار مباشرة من «ياهو» و«غوغل»، والبحث عما إذا كانت منتقاة أو مضللة، بل ومناقشتها مع مئات الآلاف.
ديمقراطية التكنولوجيا والمنافسة منحت الإنسان البسيط، حتى في أكثر البلدان تحكماً في وسائل التعبير، حرية اختيار جعلته سلطة خامسة لم تكن في الحسبان حتى بضع سنوات مضت.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة