في زمن التطرف... الشعبوية بديلاً للديمقراطية

في زمن التطرف... الشعبوية بديلاً للديمقراطية

الأحد - 30 محرم 1441 هـ - 29 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14915]
إياد أبو شقرا
كاتب صحافيّ ومحلّل سياسيّ وباحث في التّاريخ، يعمل في صحيفة الشّرق الأوسط منذ تأسيسها
«على جميع نواب مجلس العموم، من كل الأحزاب، التوحّد من أجل ضبط هذه الحكومة الطائشة العاكفة على تقسيم البلاد».
هذه الكلمات لم تأتِ من كاتب عمود صحافي أو ناشط يساري، بل من رئيس الوزراء البريطاني المحافظ الأسبق جون ميجور.
ميجور، الذي حكم بريطانيا بين أواخر 1990 وربيع 1997، يرى أن الحكومة الحالية التي تحكم باسم المحافظين، والتي عزلت قبل فترة قصيرة عدداً من الوزراء السابقين والنواب، بينهم حفيد الزعيم التاريخي وينستون تشرتشل، تُمعن بتطرّفها وتعنّتها وشعبويتها في تقسيم البلاد.
ميجور قال أيضاً في سياق انتقاده: «بلادنا في هذه الفترة أكثر اضطراباً وانقساماً من أي فترة أخرى في ذاكرتي. الوزراء يؤكدون لنا أنهم يعملون من أجل اتفاق (على الخروج من الاتحاد الأوروبي)، والأوروبيون ينفون ذلك لأن الحكومة البريطانية لم تقدم مقترحات يُعتدّ بها. رئيس الحكومة يخبرنا بأنه يأمل في صفقة مع أوروبا، لكننا لا نراه جالساً في بروكسل للعمل على صفقة. وهناك مجرد كلام بقبول حكم المحكمة العليا بالإجماع بأن قرار تعليق البرلمان كان مخالفاً للقانون، في حين يقول لنا رئيس الحكومة إن المحكمة مخطئة وهو مصيب... ويواصل الوزراء عرض أوهام حول ما يحمله الخروج لحياة الناس في كل جزء من المملكة المتحدة...».
في وضع طبيعي، في ديمقراطيات تحترم نفسها يفتح هذا الموقف باب الردّ على رئيس الوزراء الأسبق، لكن صحيفتي «التلغراف» و«الميل» المحافظتين اليمينيتين المتحمّستين للخروج من أوروبا وجدتا - ويا لمحاسن الصدف - الوقت مناسباً لـ«الكشف عن تآمر» ميجور على مارغريت ثاتشر... «سلفه» في الحكم وزعامة حزب المحافظين، في محاولة مقتبسة من إعلام الدول البوليسية في العالم الثالث لتدمير صدقية الساسة الخصوم.
بريطانيا ليست وحدها أمام معضلة «مَن ليس معي... فهو ضدي»، بل الولايات المتحدة أيضاً تعيش هذه الحالة تحت حكم الرئيس دونالد ترمب، الذي خلق استقطاباً هائلاً في الحياة السياسية الأميركية. وكما نجح ترمب في أن يفرض تيار أقصى اليمين على الحزب الجمهوري ويدفعه كله إلى خانته، فإنه استثار في ضفة الديمقراطيين المقابلة تياراً معاكساً يتباهى ليس فقط بليبراليته، بل تضم صفوفه أيضاً قوى تعتز بأنها «اشتراكية»!
وهكذا، في خضم الاستقطاب الفظيع سقطت كل الحواجز. ومثلما اعتاد مناصرو ترمب واليمين المتطرف على تبرير أي تصرف له كحالة قضية التدخل الروسي المزعوم في انتخابات أميركا وانتهاك أمنها، وبالأمس قضية «طلبه» المزعوم من قادة أوكرانيا ملاحقة ابن منافسه الديمقراطي جو بايدن... نرى الديمقراطيين قرروا بعد «الفضيحة الأوكرانية» أن التعايش مع الرئيس بات مستحيلاً، وبالفعل، باشروا إجراءات إدانته تمهيداً لعزله!
عودة إلى أوروبا، أظهرت استطلاعات الرأي في النمسا، أمس، أن المستشار السابق الشاب سباستيان كورتز، زعيم حزب الشعب المحافظ، في طريقه لتحقيق فوز انتخابي يرجّح كثيرون أنه سيسفر عن عقده من جديد «صفقة» مع حزب الحرية اليميني المتطرف، وهذا، مع أن التجربة الائتلافية السابقة لليمينين المحافظ والمتطرف انتهت بالطلاق.
المهم في الأمر، أن حالة كورتز وحزبه مع اليمين المتطرف باتت تشكل حالة عامة في أوروبا خرج معها المتطرفون من ظلمة الهامشية والانزواء، بعد هزيمة النازية والفاشية، وفرضوا أنفسهم لاعباً أساسياً في قلب الحياة السياسية في ديمقراطيات القارة، ولا سيما، بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط «جدار برلين». وقبل كورتز وحماسته لإعادة تأهيل متطرفي النمسا، رأينا أخيراً «شهر عسل» سياسياً في إيطاليا شهد مشاركة اليمين المتطرف بقيادة ماتيو سالفيني في حكومة ائتلافية مع اعتراضيي حركة «النجوم الخمس». ولا ننسى، طبعاً، أن اليمين المتطرف بات منافساً أساسياً على الحكم في فرنسا، و«بيضة قبان» في ألمانيا والكثير من الدول، بل غدا حزباً حاكماً في المجر وبولندا... ناهيك عن خروجه بنصيب وافر من مقاعد بريطانيا في الانتخابات الأوروبية الأخيرة. وخارج القارة، بجانب الولايات المتحدة، يحكم أقصى اليمين اثنتين من أكبر «ديمقراطيات» العالم هما الهند والبرازيل. وعبر صناديق الاقتراع، في العالم الإسلامي، يحكم في كل من إيران وتركيا تحت عباءة الدين!
كيف نقرأ هذا الوضع؟ وكيف يمكن تفسيره؟
أزعم أننا نعيش راهناً أزمة مفاهيم وقناعات. وكأناس ولدوا وعاشوا في دول من العالم الثالث يساورنا القلق ليس لأن الأوطان الجريحة التي غادرناها ما زالت بعيدة عن المُثُل الغربية التي نشأنا ونحن نشتهيها، بل لأن الأوطان البديلة التي هربنا إليها من مشاكل أوطاننا تشهد انقلاباً صامتاً وحثيثاً على هذه المُثُل.
نعم، حلم «الديمقراطية الغربية» الذي طالما حلمنا به لبلداننا الأصلية نراه أمام أعيننا ينقلب شيئاً فشيئاً إلى وهم.
ثقافة «التوافق العريض» المانعة للتهميش والتمييز والإقصاء تنحسر بسرعة مخيفة، تاركة الساحة السياسية نهباً للشعبويين، بغُلاتهم وعنصرييهم ومغامريهم وفاسديهم.
كلمة «الديمقراطية»، بما تستبطنه من برامج ومؤسسات وتداول سلطة وقبول بالآخر، تتلاشى أمام خفق رايات الاستعلاء والاستعداء، وقرع طبول الإبعاد الحقود على كل مخالف... وكل هذا باسم «الديمقراطية»!
«الطغاة الجدد» يبيعون الناس أكاذيبهم ويجعلون منهم - باسم «الديمقراطية» المزعومة - ليس فقط شهود زور على مواقفهم الشعبوية وسياساتهم التضليلية، بل أدوات مسلوبة العقل والإرادة تقترع تحت ضغط أو إغراء الغريزة المُستثارة... بدلاً من البرامج السياسية المقنعة التي تخاطب العقل، وتشرح المسائل على أساس الأرقام والوقائع.
نحن إذن إزاء ظاهرة حقيقية، ما عاد جائزاً أن نبررها أحياناً بأصوات اعتراض عابرة، وأحياناً أخرى بالملل من الأحزاب التقليدية.
إنها، فعلاً، «ثقافة سياسية» مختلفة، لعلها ستستمر وتتفاقم، ما لم تقتلها سمومها. ومن الجليّ، كما قال البعض وكرر، تقف «قوتا دفع» خلف ظهور هذه الظاهرة: الأولى هي التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي الذي سيخفض أكثر الاعتماد على العمالة البشرية، فيفاقم البطالة. والثانية هي مَد العولمة الذي كشف الخلل البنيوي في الرأسمالية، التي تقوم نظرياً على التنافسية وحرية حركة الرساميل والخدمات واليد العاملة.
وهكذا، استنهضت هاتان القوتان «آفات» الشعبوية والعنصرية والتطرف... يميناً ويساراً، وها هي هذه الآفات تهزّ العالم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة