د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

صناديق الاستثمارات الجريئة

قد تكون رؤوس الأموال الجريئة –أو المغامرة– أحد مصادر التمويل القليلة التي يمكن للشركات الناشئة ورياديي الأعمال الاعتماد عليها. وأنشئ أول صندوق تمويل للاستثمار الجريء في الولايات المتحدة عام 1946. ومنذ ذلك الحين بدأ الكثير من الحكومات والمؤسسات المالية والشركات في إنشاء صناديق مخصصة للاستثمارات الجريئة حسب توجهها الخاص. وتستهدف هذه الصناديق الاستثمارات ذات معدل الخطر العالي، والتي يصعب على أصحابها الحصول على تمويل تقليدي من المؤسسات المالية بسبب ارتفاع معدل عدم التيقن فيها وصعوبة اجتيازها اختبارات تقييم المخاطر التي عادةً ما تخضع لها المشاريع الممولَة.
وشهد العالم مؤخراً الكثير من نجاح الشركات الناشئة التي بدأت من خلال التمويل الجريء، مثل «آبل» و«غوغل» و«ميكروسوفت» و«أمازون»، ولذلك فقد أقبل الكثير من الجهات على تمويل الاستثمارات التي قد تكون في يوم من الأيام بحجم إحدى هذه الشركات. فبدأت الحكومات صناديق استثمارات جريئة وجهتها حسب توجه رؤيتها، مستفيدة من النتائج الإيجابية للاستثمارات الجريئة في الاقتصاد المحلي من إنشاء فرص العمل وزيادة الإبداع في المحتوى المحلي وتطوير القطاعات التي ترغب الدول في الاعتماد عليها مستقبلاً. ومن منظور تنويع محافظها الاستثمارية، خصص الكثير من المؤسسات المالية جزءاً من برامجها التمويلية للاستثمارات الجريئة والتي –حتى وإن زاد احتمال إفلاسها على المعتاد– قد تقدم عوائد عالية جداً مقارنةً بالاستثمارات الاعتيادية. كما يقوم بعض الأفراد بتمويل الاستثمارات الجريئة بشكل مباشر، ويطلق على هؤلاء الأفراد اصطلاحاً «الملائكة» في عالم تمويل الاستثمارات الجريئة، ولهم نصيب لا يستهان به من مجموع تمويل هذه الاستثمارات.
ومن أكثر أنواع الصناديق الجريئة تأثيراً، الصناديق التمويلية التي تنشئها الشركات، ويكون تأثيرها الإيجابي من نواحٍ عدة، أولاها أن الشركة لا تموِّل رياديي الأعمال بالأموال فقط، بل يكون للشركات دور استشاري وإشرافي على المشاريع الناشئة بحيث يستفيد صاحب المشروع من المخزون المعرفي والخبرات الموجودة لدى هذه الشركات. كما أن هذه الشركات تساعد في حوكمة المشاريع في حال كُتب لها النجاح. وفي كثير من الحالات فإن هذه الشركات تنص في العقد بينها وبين صاحب المشروع على أن تنتقل إدارة هذا المشروع إليها في حال تقاعس صاحب المشروع عن إدارته بشكل مناسب، مما يقلل من احتمالية فشل المشاريع ويزيد من فعالية التمويل الجريء.
وقد وجدت الشركات في التمويل الجريء طريقة جديدة للإبداع في مجالاتها، فإضافةً إلى ما تقوم به الشركات من بحث وتطوير، قام الكثير من الشركات بإنشاء إدارات تُعنى بالبحث عن رياديي الأعمال الذين يطمحون إلى إنشاء شركات ناشئة في نفس مجالها، وقامت بتمويلهم والأخذ بيدهم دون أن تتأثر اتجاهاتها البحثية والتطويرية. وبهذا فإن الشركات تكون على اطّلاع على الجديد في قطاعاتها دون الخوف من أن يؤثر هذا الجديد على تنافسيتها، كما دخلت في استثمار يرتبط في مجالها وقد يكون له دور إيجابي في مستقبلها.
ومع كل هذه السبل في التمويل الجريء، فقد وصلت مبالغ التمويل للاستثمارات الجريئة إلى أكثر من 52 مليار دولار في الربع الثاني فقط من هذا العام، كان للولايات المتحدة نصيب الأسد منها بأكثر من 31 مليار دولار، بينما وصل مجموع هذه المبالغ في آسيا إلى 10 مليارات دولار، وفي أوروبا 9 مليارات دولار. وتنوعت القطاعات الممولة حتى مع غلبة البرمجيات عليها، فحتى مع التوجه الضخم نحو مشاريع الذكاء الصناعي، ما زال الكثير من الشركات متوجهة نحو تمويل الاستثمارات الدوائية والصناعات التقنية الصحية ومشاريع الخدمات التجارية ومشاريع الطاقة، ويغلب على كل هذه الاستثمارات الطابع التقني.
ولا يبدو العالم اليوم شحيحاً من ناحية تمويل المشاريع الناشئة، حتى مع كثرة الأفكار المطروحة جعلت المنافسة على التمويل شديدة. والشركات تبحث عن مشاريع ذات مستقبل واعد بغض النظر عن معدل الخطر. والبحث عادةً يكون عن مشاريع متوافقة مع التوجه المحلي أو التوجه العالمي. وكدليل على أن هذه الصناديق ماضية في استثماراتها الجريئة حتى مع خطورتها، تشير الأرقام في الولايات المتحدة إلى أن مشروعاً واحداً من كل ثلاثة مشاريع يُكتب له النجاح في المراحل الأولية، وأن هذا عوائد هذا المشروع تزيد على ثلاثة أضعاف المبلغ المستثمر، وفي حالات نادرة تقل عن 2%، فإن عوائد هذه المشاريع تصل إلى 20 ضعفاً من المبلغ المستثمر. ومع هذا كله، فإن ما مُوّل من استثمارات جريئة في الولايات المتحدة في الربع الثاني من هذا العام، يزيد على ما دُفع في جميع دول العالم!