فؤاد مطر
أحد كتّاب الرأي والتحليل السياسي في «الشرق الأوسط» ومجلة «المجلة» منذ العام 1990 وقبلها عمل صحافياً وكاتباً في «النهار» اللبنانية و«الأهرام». نشر مجلة «التضامن» في لندن وله 34 مؤلفاً حول مصر والسودان والعراق والسعودية من بينها عملان موسوعيان توثيقيان هما «لبنان اللعبة واللاعبون والمتلاعبون» و«موسوعة حرب الخليج». وثَّق سيرته الذاتية في كتاب «هذا نصيبي من الدنيا». وكتب السيرة الذاتية للرئيس صدَّام حسين والدكتور جورج حبش.
TT

وطن في مهب الأمزجة

لعله من النادر أن يحدُث في أي من دول الأمة هذا الذي ينفرد به لبنان وكأنما هي ميزة لها في النفس أعلى درجات الاعتزاز. بل أحياناً يراها المرء رابع المستحيلات بعد الغول والعنقاء والخل الوفي.
في كل دول الأمة بتنوع أنظمتها وطبائع حكامها يتم اختيار شخص لترؤس الحكومة ويراعى في اختياره قدرته على تشكيل هذه الحكومة بما يحقق الغاية منها وفي الدرجة الأولى الاهتمام باحتياجات الناس وهذا يتطلب الاختيار المدروس للذين ستُسند إليهم الحقائب الوزارية، والاطمئنان إلى قدراتهم ومِن ثم إلى اعتبار المنصب الوزاري تكليفاً وليس تشريفاً.
ولا يتطلب الأمر الوقت الكثير لإنجاز ذلك، ففي خلال أسبوعيْن من اختيار الشخص المناسب لتشكيل الحكومة يكون مَن تم اختياره أجرى الاتصالات المناسبة وذلك لأن ذوي الكفاءات والاختصاصات كثيرون. ثم تنطلق الورشة الحكومية الأشبه بورشة إنشاء مبنى بمواصفات غير تقليدية. ويبدأ كل وزير تأدية الواجب في منأى عن الوجاهة واعتبار لقب صاحب المعالي صفة تميُّز في الوطنية السياسية. ولا يتطلب الأمر كثير الانتظار للتأكد من أن هذا الوزير يؤدي الواجب على أفضل وجه وبذلك يكْرَم من الناس أو يتباطأ في التأدية وربما يُدخِل العام في الخاص وعندها يُهان ويغادر طوعاً مستقيلاً في حال أنه من أصحاب الضمائر الحية، أو يُعفى ويتم استبدال آخر به في حال كان عكس ما نقوله لجهة الضمير الحي.
ويكفي خطأ ارتكبه سائق قطار سكة حديد ويتسبب بكارثة أن يبادر الوزير المختص إلى الاعتذار من تلقاء نفسه واضعاً استقالته أمام رئيس الحكومة. كما تكفي كارثة تسمم من صفقات لحوم أو دجاج أو من أدوية أو مواد منتهية الصلاحية إلى أن ينصرف الوزير. حدث ذلك في أكثر من حكومة في مصر على سبيل المثال.
وفي بعض الظروف تكتفي معالجة الأمور بتعديل في المناصب ويكون ذلك من أجْل دفع العمل الحكومي نحو سرعة الإنجاز.
ومن المستحيل أن يحوِّل وزير وزارته ومكتبه في هذه الوزارة إلى ديوان خاص به يعقد فيه اجتماعات شخصية أو حزبية في حال كان منتسباً إلى حزب أو أنه هو شخصياً رئيس الحزب. كما من المستحيل أن يعتبر الوزير الذي يشغل حقيبة أمنية أن في استطاعته خلْط العسكري بالمدني بمعنى أمْر جنود أو رجال شرطة بمرافقة وزير آخر في تجوال سياسي.
ولعله من النادر أن يحدُث في أي من دول الأمة أن وزيراً في مؤتمر ما يغرد خارج السرب الحكومي أو أحياناً يكون الموقف الذي يتخذه نقيض موقف الحكومة التي هو من بين أعضائها.
ما من النادر عدم حدوثه في أي دولة من دول الأمة يحدُث بكل بساطة في لبنان، فقط لأنه مغلوب على أمره سورياً ثم إيرانياً ثم «سونياً» دمجاً لكلمة سورياً مع كلمة إيرانياً، ولأن ما هو مستحيل حدوثه لدى الآخرين يحدث بشكل طبيعي في لبنان، وكل ذلك لأن الإرادة الوطنية متناثرة، فالحكومة لا تتشكل كما الحال لدى الآخرين ورئيس الحكومة على كف عفاريت التيارات والأطراف الحزبية. بل إن رئيس الحكومة الذي يدير دفة السلطة التنفيذية يجد نفسه أحياناً غير قادر نتيجة أزمة يعيشها قطبان سياسيان من طائفة واحدة على عقْد جلسة للحكومة التي يترأسها وذلك لأن وزراء داخل هذه الحكومة قادرون على فرط العقد الحكومي إذا كان لا يؤخذ بموقفهم التعجيزي.
وفي دول الأمة تتم معالجة حالة تناقُض تحدث وذلك بإجراء تعديل وزاري وتدوير المناصب. لكن حتى مثل هذا الأمر غير متيسر الإقدام عليه من جانب الذي يترأس الحكومة. ولذا نرى الوطن في مهب الأمزجة يتنازع مصيره واستقراره هذا الطيف أو ذاك. ومثل هذا الأمر يبقى علة العلل وينتقل الوطن من مهب الأمزجة إلى أن يصبح اليأس هو سيد الموقف.
ونحن عندما نقول إن لبنان في مهب الأمزجة، فهذا ليس حديث العهد، وإنما لتأكيد قناعة بأن النظام الإيراني هو الذي رعى هذه الحالة اللبنانية التي كانت موجودة بحكم مشاعر عاطفية في الخمسينات والستينات لكنها باتت طقوساً لها أحياناً صفة التقديس السياسي. فالذي تعيشه أزمة الحكومة اللبنانية سببه الشحن السياسي بعد المذهبي أو السياسي المكمل للمذهبي. وما دام هذا الشحن على الحال الذي هو عليها فإن الاستقرار المنشود سيستمر بعيد المنال وسنشهد بالتالي المزيد من التناقضات يتم التعبير عنها بكلام أشبه بالقذائف وصادر عن قيادات اختلط فيها الموقف بالمزاج المتقلب كما اختلاط الحابل بالنابل، فضلاً عن أن نتاج ذلك مبادرة كانت كتلك التي ارتبطت بالرئيس اللبناني الأسبق العماد إميل لحود أو «مانيفستو سياسي - حزبي - مذهبي» كالذي أطلقه بالصوت والصورة على الملأ وزير خارجية «لبنان القوي» اغتناماً من جانبه لظروف «لبنان المستَقوى عليه».
والمبادرة اللحودية التي نشير إليها تمثلت بأن رئيس جمهورية لبنان (من 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 1998 إلى 23 نوفمبر2007) إميل لحود نظَّم يوم الأحد 9 مارس (آذار) 2003 مسيرة هي الحدث الأول من نوعه في تاريخ الرئاسات العربية والدولية حيث إنه وبفعل مبادرة مزاجية نظَّم تلك المسيرة بعنوان «يوم الوفاء والكرامة»، حيث دعا حشوداً وصلت رغم شدة تساقُط المطر إلى قصر بعبدا وخطب فيهم مستنكراً قمة شرم الشيخ والإشادة بالتنسيق اللبناني - السوري في تلك القمة، ثم توجه على رأس المسيرة التي ضمت وزراء ونواباً لبنانيين أسديي الهوى إلى دمشق. وفي قصر الرئاسة ألقى الرئيسان كلمتيْن حول وحدة الموقف. وهذه المسيرة والتي ارتبطت برئيس الجمهورية اللبنانية شكلت نقطة جوهرية في كيف أن لبنان الراهن كما الذي مضى هو بين الحين والآخر في مهب أمزجة بني قومه... الذين يفضلونه ملعباً على أن يكون وطناً.