ثقافة القانون وثوابت متغيرة

ثقافة القانون وثوابت متغيرة

الأحد - 19 ذو القعدة 1440 هـ - 21 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14845]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.
غرمت محكمة إنجليزية شركة قطارات مليون جنيه بتهمة إهمال أدى إلى موت راكب على قطار الشركة قبل ثلاثة أعوام.

الضحية، سيمون براون، في الرابعة والعشرين، كان من هواة متابعي القطارات المعروفة بـtrainspotting «التعرف على القطارات». هواية قديمة بلغت أوجها في منتصف القرن الماضي عندما تسابقت محركات البخار مع الديزل والكهربائية الجديدة، ويمارسها اليوم مائة ألف في بريطانيا لهم نشراتهم الدورية ومواقعهم الإنترنتية. تراهم على أرصفة القطارات، وكباري السكة الحديد، بالنظارات المكبرة والكاميرات ودفاتر تدوين ملاحظاتهم.

أطل الشاب براون برأسه من نافذة باب القطار ليدون توقيت المرور بنقطة تحويلات فاصطدم بإحدى الإشارات، ومات متأثراً بجروحه.

فتحُ الشاب نافذة باب مخصص لاستعمال ملاحظ القطار لعب، بالطبع، دوراً أساسياً في موته.

وللتوضيح، عربات القطارات الأقدم لا يوجد مقابض لفتح أبوابها من الداخل حرصاً على السلامة، المقابض في الخارج فقط لفتحها من الرصيف أو بإنزال النافذة عند وقوف القطار.

رغم دور الضحية في الحادث اعترفت شركة القطارات بخطئها، واعتذرت علنا بعد دفع الغرامة.

تشير حيثيات حكم القاضي جيفري بيدغن إلى إهمال الشركة في إصلاح قفل نافذة لا يمكن لغير ملاحظ القطار فتحها.

ورغم تثبيت ملصق بجانب النافذة، ككل نوافذ القطار، يحذر المسافر من التعرض للإصابة أو الموت بالإطلال من النافذة، فقد فسرت المحكمة وجود ملصقات بتعليمات أخرى بالتقليل من وضوح التحذير بحيث لا تلاحظه العين للوهلة الأولى، وهو إهمال أدى للوفاة.

الشركة لم تستأنف الحكم. مليون جنيه يمكن تعويضها، بينما لا يمكن استعادة حياة إنسان؛ والأهم القانون، كما فسره القاضي، يطبق على الشركة والمسافرين.

المهم الاستفادة من الخطأ، في قول المتحدثة باسم الشركة، وهو درس لكل شركات القطارات ومهندسي التصميم والمسؤولين عن الصيانة لتفادي تكرر المأساة.

السياق لذكر الحادثة، هو حكم القانون، وفرضه بإجماع الأمة بقبول القانون، كمؤسسة من دعائم الديمقراطية مثل البرلمان وحرية التعبير، والقضاء المستقل والصحافة الحرة المستقلة، والإيمان بفصل السلطات، واعتبار القانون مؤسسة حامية للديمقراطية.

وسمعنا قبل أيام مثلاً تهديد رئيس الوزراء الأسبق، السير جون ميجر، بجر حكومة حزبه المحافظة للمثول أمام القضاء إذا تجاوزت البرلمان في تعاملها في قضية «البريكست».

فالقانون، كما يفسره القضاء سيكون حامي الديمقراطية، لأن التركيبة الدستورية المعقدة تتيح لرئيس الوزراء فرصة أن يطلب من الملكة تعليق البرلمان.

الصديق حسين شبكشي في عموده على هذه الصفحات بعنوان «ثقافة القانون» ضرب مثلاً بإخفاق المسؤولين المصريين في منع مؤسسة كريستيز للمزادات من بيع تمثال من مجموعة توت عنخ أمون (أصغر فرعون سناً حكم مصر ما بين 1332 و1323 قبل الميلاد وأشهرهم عالمياً)، رغم تظاهر مصريين خارج قاعة المزاد في لندن مما وفر صوراً دعائية قيمة للفيسبوك، لكنها لم تكن في قوة القانون الذي يعترف بأوراق قانونية تثبت ملكية التمثال لبائعه المجهول، بينما عجزت مصلحة الآثار عن تقديم سجلات موثقة تقنع القضاء بوجود التمثال في مكان يتبعها إدارياً أو ضمن مقتنياتها.

وأحياناً يعطل بوليس لندن المرور ويغلق شارعاً لأيام لأن مراهقاً طعن آخر بسكين، ورغم الشهود ووجود صور من كاميرات المرور تثبت التهمة، يعطل البوليس مصالح الناس وتخسر المتاجر مئات الآلاف؛ فلا بد من جمع الأدلة المادية بدقة من بصمات وسوائل الجسم للحامض النووي وحتى زر قميص، حتى لا يجد محامي الدفاع ثغرة غير متوقعة.

والبوليس هنا محايد، والطب الشرعي محايد، وهم مستقلون عن النيابة ومجرد شهود في المحكمة، فالقضية منازلة بين «التاج» (أي وكيل النيابة) وبين الدفاع.

تحويل مجتمع لا يحترم القانون إلى مجتمع «ثقافة القانون» مسألة تاريخية معقدة تتجاوز دور الصحافة والمدرسة وحتى الثقافة والفن.

مثلاً المسلسلات التلفزيونية والأفلام الروائية المصرية والعربية كلها تقدم نموذجاً يوطوبياً للبوليس وأجهزة القانون ومؤسساته في شكل مثالي إيجابي، والمجرم يخسر دائماً في النهاية أمام ضابط البوليس الوسيم، بينما تغيب ثقافة القانون في معظم هذه المجتمعات، مثلما لاحظ صديقنا شبكشي.

وبالمقابل ينتصر اللص الظريف في كوميديات هوليوود؛ ومعظم حبكات الجريمة السياسية فيها وتلفزيونات أوروبا تدور حول فساد وكالات المخابرات الرسمية وتآمرها ضد الشرفاء وفساد أجهزة الأمن، في مجتمعات «ثقافة القانون» وتقديسه.

قبول شركة القطارات الحكم، وتسامح أصحاب المتاجر في تعطيل أعمالهم بجمع البوليس الأدلة، والوقوف لمدة طويلة في إشارة المرور عند تقاطع مهجور بلا سيارات في الثانية صباحاً انتظاراً للضوء الأخضر، جزء من الجينات السيكولوجية للمواطن في ثقافة القانون.

ثقافة من «الثوابت»؟ هل تخضع للمناخ السياسي؟

فالإنجليزي الذي يحترم إشارة مرور مهجورة يتحايل لركن السيارة مجاناً بل ويعطل ماكينة التذاكر موفراً نصف جنيه، ويخفي مخلفات الحديقة والحشائش في أكياس القمامة السوداء ليوفر دفع جنيهات قليلة سنوياً للبلدية المحلية لجمعها للتدوير البيئي.

فأحد أهم شروط تحول القانون إلى ثقافة الحياة اليومية هو صياغته، عن طريق ممثلي المواطن، لحماية حاجة في حياته، ويراه أداة لحماية مصالحه وتطوير حياته نحو أفضل.

المواطن الذي تقتطع من ضريبة سيارته نسبة لصيانة الشارع، تغيرت نظرته في السنوات الأخيرة ليرى أن دفع نصف جنيه لركنها ظلم، ويرى تقاضي البلدية ثمناً إضافياً بسيطاً لتدوير مخلفات، وهي خدمات دفع لها ضريبة عقار باهظة أصلاً، ابتزازاً ونصباً باسم «التغير المناخي»، فتصرف الجهات المسؤولة بدأ يفقد القوانين احترام المواطن.

في ليلة 23 يوليو 1952 أوقف رجل بوليس دورية شارع قصر النيل سيارة البكباشي (مساعد كولونيل) جمال عبد الناصر لأن أحد مصباحي السيارة الخلفيين معطل، وهي مخالفة لقانون المرور. بعد ذكر قائد الكتيبة مرض زوجته، وافق عسكري الدورية أن يدع الضابط الكبير يذهب مقابل الاحتفاظ برخصة قيادته وتعهده بإحضار شهادة إصلاح الضوء في اليوم التالي إلى قسم شرطة قصر النيل.

نشرت صحيفة مصرية بعد عشرين عاماً حكاية «شرطي كاد يغير مسار التاريخ»، ولم يخطر ببال المحرر أن يذكر كيف جعلت «ثقافة القانون» وقتها كولونيلَ أن يمتثل لأوامر عسكري دورية؛ لأن «ثقافة القانون» تغيرت. لأنها كبقية مكونات ثقافة وقيم و«ثوابت» المجتمع قابلة للتغير.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة