النشيد المنسي والهيمنة المستحيلة

النشيد المنسي والهيمنة المستحيلة

الخميس - 9 ذو القعدة 1440 هـ - 11 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14835]
في لحظة توتر سياسي شديد، قرر الفنان مرسيل خليفة الامتناع عن أداء النشيد الوطني اللبناني في مستهل حفلته التي جرت ضمن مهرجانات بعلبك الدولية. أثارت خطوة خليفة عاصفة من الانتقادات فيما لم يكن عدد المدافعين عنه وعن قراره قليلاً أيضاً.
أقيمت حفلة خليفة في الوقت الذي لم تكن فيه تداعيات حوادث الجبل آخر شهر يونيو (حزيران) الماضي قد هدأت بعد. فقد قتل شابان من مرافقي وزير مؤيد للزعامة الدرزية الأرسلانية في تبادل لإطلاق النار مع أنصار الزعيم وليد جنبلاط على خلفية زيارة وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إلى الجبل بعد تصريحات أحيا فيها أجواء الحرب الأهلية.
المبررات التي ساقها الفنان خليفة في الأيام التي تلت حفلته، لرفضه عزف النشيد الوطني، تبدو قليلة الأهمية أمام مستوى التوتر الذي عمّ أنصار التيار العوني ولم يتخلف عنه محازبو القوى السيادية المنافسة للعونيين. ذاك أن تجاهل النشيد الوطني في مناسبة كبيرة مثل مهرجانات بعلبك الموصوفة بـ«الدولية» يوجه ضربة قاسية إلى محاولات بناء إجماع لبناني جديد يتركز حول استخراج أشياء كثيرة من الماضي: جثث قتلى الحروب الأهلية ومقولات التفوق الجيني وإشهار العنصرية والتباهي بها و... مجموعة من الرموز التي يتخيل أصحاب هذا المسعى أن أحداً لا يستطيع تحديها من مثل تقديس العلم اللبناني والنشيد الوطني والأرزة و«الهواء العليل» و«الموسم السياحي».
قائمة المقدسات هذه التي تقوم دعاية ائتلاف السلطة الحالية على اعتبارها فوق التناول، صفعها مرسيل خليفة، من دون قصد ربما، لتظهر حقيقتها البسيطة: أنها لا تحتل الموقع السامي الذي يعتقد أفراد الجماعة السياسية الحاكمة أنها تحتله ويجوز إهمالها ومتابعة الحفل الموسيقي (كرمز للحياة العادية) من دونها. وفقد هؤلاء الأفراد، بالتالي، ما كان يفترض أن يشكل عنصراً مؤسساً لهيمنتهم على المجتمع بعد سيطرتهم على الدولة. وإذا كان العونيون وحلفاؤهم رأوا في الخطوة تهديداً لمشروعهم الذي انطلق في الحاضر، فإن السياديين أخذوا على خليفة تخليه عن «الوطن» وتساءلوا هل يسمح تفشي الفساد بالتخلي عن مؤسسات الدولة. بكلمات ثانية، تمسك المتحدثون باسم السياديين برموز الماضي علها تستعاد كعلامات وفاق بين اللبنانيين من أجل مستقبل ليس سوى تكرار للماضي بما هو تعايش بين سلطات طائفية، بذريعة الحرص على الدولة، هذا الكيان الغامض الذي يتساءل لبنانيون كثر عن معناه وعما يفعل أمام تقلص إمكانات العيش العادي.
المسألة، إذن، تتجاوز سلوك فنان، سواء كان مصيباً أو مخطئاً، في حفل موسيقي لتصل إلى كشف صعوبة، بل استحالة تأسيس أي فئة سياسية - طائفية لهيمنتها من دون أن تحقق غلبة ناجزة ومطلقة على الطوائف الأخرى. التجارب السابقة التي شهدها لبنان انتهت إلى كوارث لم يبرأ منها البلد بعد، ومنها كارثة حرب الجبل في 1983 التي ما زال بعض السياسيين يرى إمكان استغلالها اليوم لبناء زعامة تكرسه كلاعب رئيسي في مستقبل لبنان.
لكن في منأى عن صغائر السياسة اليومية وصغارها، يتعين الانتباه إلى أن من يحاول تشكيل هيمنة جديدة في لبنان في محاولة تدعو إلى السخرية لاستعادة ماضٍ لن يعود، إنما ينسى أن المسيحيين صنعوا الأساطير المؤسسة للكيان اللبناني وألفوا سردياته الكبرى في وقت كانوا يتمتعون بهيمنة سياسية وثقافية واقتصادية لا تنازع. في المقابل، تعاني محاولات تلفيق الأساطير الجديدة من عطب مزدوج، فحاملها أضعف كثيراً من أن يعطي الكيان اللبناني معنى معاصراً، من جهة، وهو - وهذا الأهم - يستخدم قوة حليفه المسلح «حزب الله» التي لا تستطيع رغم جبروتها أن تغير الحقائق الديموغرافية والأوزان والأحجام التي تعمل وفقها سياسات الطوائف اللبنانية، رغم قدرة هذه القوة على كبت أصوات الطوائف المعادية. ناهيك عن أن آيديولوجيا الحليف المذكور لا تقيم وزناً ولا اعتباراً للبنان وللدولة والوطن أو نشيده الذي نسي فنان عزفه في بعلبك.
وليس ما تقدم تقليلاً من شأن هذا السياسي أو ذاك ولا تجاهلاً لطموحات مزمنة، بل مجرد تذكير بحقائق التوازنات اللبنانية وعلاقات القوى بين الطوائف التي تتقن تكتيكات التراجع والرضوخ والانتظار إلى حين تتبدل المعطيات، في عملية أزلية يحول تكرارها إلى ما لا نهاية دون وضع أسس المجتمع والدولة بالمعنى الحديث للمصطلحين. وعليه، تبدو حوادث الجبل الأخيرة كفصل منتزع من كتاب تاريخ يعود إلى القرن التاسع عشر، لا يمل القراء من تذكره وتمثيله على المسرح ذاته.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة