هل تحتاج الديمقراطية إلى الإنسانيات؟

هل تحتاج الديمقراطية إلى الإنسانيات؟

الأحد - 13 شوال 1440 هـ - 16 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14810]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
هذا العنوان هو في الأصل عنوان كتاب الباحثة مارثا نوسباوم من جامعة شيكاغو، وفيه تطرح الأسئلة بكل بساطة ووضوح رؤية وسعة فهم، حيث تتساءل هل الديمقراطية في عوز الإنسانيات؟
وكما نرى فالإشكالية في غاية الوضوح والكتاب يجيب من خلال إظهار مدى حاجة الديمقراطية للإنسانيات، وكيف أن هذه الأخيرة ضامنة لسلامة الديمقراطية.
من جهتنا، فنحن كما نعلم بدأت الحاجة في الفضاء العربي الإسلامي للديمقراطية تتأكد وانطلقت بعض المجتمعات العربية في عملية بناء الأسس والتشريعات الكفيلة بتأمين بداية المسار الديمقراطي.
السؤال: هل الأسس التي انطلقنا في وضعها لا هاجس لها إلا التشريعات الدستورية والحقوق السياسية أم أننا أولينا مسألة الإنسانيات ما تستحقه من انتباه وبذل جهد، باعتبار أنها من الأسس التي لا تستغنى عليها الديمقراطية الجادة؟
قد يتساءل البعض ما دخل الديمقراطية في الإنسانيات وأي صلة بينها والعلوم الإنسانية والاجتماعية، ولكن يبدو لنا أن العلاقة بينهما من المتانة والارتباط المنطقي ما يجعل قياس واقع الإنسانيات في أي مجتمع من المجتمعات مدخلاً أساسياً لتقويم تجربة الديمقراطية وتحديد مدى عافيتها.
لقد تناولت الباحثة مارثا نوسباوم تفصيلاً مهماً جداً حيث أثارت فكرة دقيقة وغاية في المنطق والذكاء ووضوح الرؤية وهي الفكرة التي عبرت عنها بالقول ما مفاده أن الإنسانيات هي الضامنة لما سمَّته قصداً سلامة الديمقراطية. وهكذا نفهم أن الديمقراطية يمكن أن يخوض غمارها شعب ما ويكفي توفر معطيات سياسية معينة تؤدي إلى تبنيها، ولكن ما يحفظ سلامة الديمقراطية ويجعلها تترعرع وتنمو وتكبر وتصبح عريقة ومصانة هو الارتقاء بالإنسانيات والإيمان بجدواها.
وأغلب الظن أنه هنا تكمن مشكلة الديمقراطية في بلداننا، مع التوضيح أننا نتحدث عن ديمقراطية في طور الجنين.
لقد أدى الحراك الحاصل في أكثر من بلد عربي إلى فرض مجموعة من الإصلاحات وشبه هدم للجمهوريات الفاقدة للقيم الجمهورية فأصبحت كلمة شعوبنا ذات صوت وبدأت تشق طريقها نحو التأثير. لذلك يمكن الحديث عن ديمقراطيات عربية وليدة. فهل نمتلك الظروف الضامنة لنشأة سليمة لهذه الديمقراطيات الوليدة؟
أظن أن الإجابة الصادقة والموضوعية دون جلد للذات هي الإجابة بالنفي.
ويتضاعف النفي عندما نتفق على عوز الديمقراطية للإنسانيات، حيث إن المدارس والجامعات في العالم العربي تتميز بتهميش كبير للاختصاصات المنتمية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، وهو ما يعني في النتيجة أن الإنسان العربي اليوم فقير من حيث المعرفة الإنسانية.
إن الإنسان المشبع بالتاريخ وقصصه والناظر في الثقافات والحضارات والمتعدد النوافذ الذي يجيد التحليق في الفكرة والشعور، ويرى الإنسان في تعدده وفي اختلافه هو القادر على ضمان سلامة الديمقراطية، إذ إن هذه الأخيرة تعني سلطة الشعب وحكمه، وهو ما يزيد من شرط أن يكون صاحب السلطة الحقيقي في الديمقراطيات أي الشعب جديراً بسلطته أن تتوفر فيه صفات هي بدورها نتاج ما تفعله الإنسانيات فينا من انفتاح وتسامح ونسبية واحترام للغيرية.
تتأكد سلامة الديمقراطية عندما ننطلق في بناء الإنسان العربي من الداخل: من وجدانه وعقله وروحه. نبني تمثلاته للأشياء ونصنع له مخيالاً متجدداً بإطلاق العنان للإنسانيات والاجتماعي كي يفعل فعله بالفهم والتفسير والمعاني والأفكار والتفاصيل والفنون والإبداع. صقل الإنسان العربي بشكل يقربه من نفسه وغيره ومن ضعفه ومن قوته يجعله فرداً متوازناً وفي حالة نفسية صحية تمكنه من حسن العطاء، ومن حسن تأدية الأدوار في المجتمع. بمعنى آخر، فإن الإنسانيات تعتني بالإنسان فينا الذي هو رهان الديمقراطية السليمة ومتى حصل انحراف في الفرد انحرفت الديمقراطية آلياً.
طبعاً الديمقراطية في عوز أيضاً للتقنية والعلوم الصحيحة والتجريبية، لأنها عنوان الذكاء والابتكار وقدرة الفرد على تيسير شؤون الحياة، وجعل ما كان مستحيلاً ممكناً. بل إنها تكشف قدرة الخيال العلمي على تحقيق الأحلام وقهر الصعوبات مع العلم أن الثقافة المشجعة للإنسان، التي تحفز قدراته وتسهل انبثاق الطموح هي ثقافة من نتاج الرهان على الإنسانيات والاستفادة منها في عملية تجديد بناء الإنسان. كما أنها تفتح طرقاً مثمرة للثروة والتنمية والرخاء، وهي طرق تقلل من ظواهر الفساد المهددة لسلامة الديمقراطيات.
إذن الديمقراطية ممكنة جداً وليست خدعة أو شعاراً، ولكن الصعب في بلداننا هو ضمان نموها وسلامتها المشروطة أولاً بالإنسانيات وثانياً بالعلوم والتقنية.
فالديمقراطية تحتاج إلى الإنسانيات ونحن أصبحنا نعتقد أن الإنسانيات فات زمانها وانقضى.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة