د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

للمكسيك نصيب من ترمب

يبدو أن الرئيس الأميركي ضاق ذرعاً بجارته الجنوبية، بعد محاولات كثيرة لوقف سيل المكسيكيين المتسللين عبر الحدود. فبعد أن هدد مسبقاً ببناء جدار على امتداد الحدود بين البلدين (وهو خيار لا يزال قائماً)، أعلن يوم الجمعة الماضي عن فرض رسوم بنسبة 5 في المائة على جميع المنتجات المكسيكية، تبدأ من العاشر من هذا الشهر.
وهدد ترمب بزيادة هذه الرسوم بشكل شهري بنسبة 5 في المائة، إن لم تقم الحكومة المكسيكية بإجراء يمنع الهجرة غير الشرعية من الجنوب إلى الشمال. وفي حال نُفّذ هذا التهديد، فستصل الرسوم الجمركية إلى 25 في المائة بحلول شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهو قرار قد يكون كارثياً على المكسيك، التي تصدر سنوياً أكثر من 360 مليار دولار للولايات المتحدة، وتستورد بالمقابل أكثر من 265 مليار دولار.
والمكسيك شريك تجاري ضخم للولايات المتحدة، وصادراتها لأميركا مصدر حيوي لاقتصادها، فالصادرات المكسيكية تشكل ثلث الناتج القومي، وصادراتها للولايات المتحدة تشكل 80 في المائة من مجموع الصادرات، وفي حال فرضت هذه الرسوم فسوف تتأثر هذه الصادرات قطعاً.
إلا أن الضرر سيلحق بالولايات المتحدة كذلك، بسبب هذه الرسوم، فعلى سبيل المثال، تشكل الخضراوات والفواكه المكسيكية نصف الواردات إلى الولايات المتحدة، بما قيمته 12 مليار دولار سنوياً، وهي واردات يجب على الولايات المتحدة أخذها من دولة مجاورة، بحكم حساسيتها للوقت، وعدم إمكانية استيرادها من دولة بعيدة جغرافياً. كما تستورد الولايات المتحدة من المكسيك النفط والغاز ومعدات الأجهزة الحاسوبية. إلا أن أكثر القطاعات حساسية في التبادلات التجارية بين البلدين هو قطاع صناعات السيارات. وإبان التهديدات السابقة للرئيس الأميركي – وما أكثرها – بإغلاق الحدود تماماً بين بلده والمكسيك، صرح مسؤول في شركة سيارات أميركية بأن مصانع السيارات الأميركية لن تستمر بعد هذا القرار لأكثر من أسبوع واحد!
والمكسيك هي أكبر مزود للولايات المتحدة في قطع غيار السيارات، وتزيد قيمة قطع السيارات المستوردة من المكسيك عن 59 مليار دولار، وهو ما يشكل أكثر من 16 في المائة من مكونات السيارات الأميركية. ولا يمكن للمصانع الأميركية تصنيع هذه القطع في الولايات المتحدة، بسبب اعتمادها بشكل كبير على اليد العاملة ذات الأجور المنخفضة، وهو ما يجعل تصنيعها في أميركا غير ذي جدوى اقتصادياً. كما تستورد الولايات المتحدة أكثر من 207 ملايين مركبة سنوياً، بما يزيد على 52 مليار دولار. وفي حال وصلت الرسوم إلى 25 في المائة، فسوف تضاف 28 مليار دولار إلى تكلفة قطع السيارات الحالية، بمتوسط 1300 دولار للسيارة الواحدة! وقد تتسبب هذه الزيادة في انخفاض الطلب على السيارات الأميركية، بما يقارب 3 ملايين سيارة، أي ما نسبته 18 في المائة من الطلب الحالي.
وقد سبق لمصانع السيارات الأميركية أن عانت من ارتفاع أسعار الحديد المستورد في السابق، كما أنها في الوقت الحالي تحاول توفير التكاليف وتحويلها إلى البحث والتطوير في الجيل القادم من السيارات، وهو جيل يُعنى بالسيارات الكهربائية وسيارات القيادة الذاتية. وهو سبب صرحت به شركة «جنرال موتورز» التي أقفلت مؤخراً 4 مصانع لها، والتي حذرت أيضاً من أن التلاعب بسوق السيارات من خلال فرض الرسوم وزيادة التكاليف يعني فصل موظفين أكثر من مصانع السيارات، لتلافي مزيد من الخسائر. ومنذ أن صرح الرئيس ترمب يوم الجمعة، انخفضت أسهم «جنرال موتورز» أكثر من 4 في المائة، و«فورد» بـ2 في المائة، كما انخفض البيزو المكسيكي مقابل الدولار بأكثر من 2 في المائة.
إن في إعلان ترمب عن هذه الرسوم تصريح بأنه لا يمانع استخدام التبادل التجاري كسلاح لأغراض سياسية، فإن كان العذر اقتصادياً في حالة الصين بحكم وجود عجز ضخم في التبادل التجاري بينهما، فإن العجز بين بلده والمكسيك في التبادل التجاري لا يزيد على 80 مليار دولار، وهو عجز يقابله فائض بأكثر من ذلك بكثير في صادرات الخدمات الأميركية للمكسيك.
وإن بدا الرئيس المكسيكي هادئاً حيال هذه الرسوم، فإنه يعي أنها سوف تضر باقتصاد بلده، وأن الاقتصاد الأميركي أقدر منه على تحمل هذه الأضرار. وفي حالات كهذه ليس أمام الشركات إلا أحد أمرين، إما تحمل هذه التكاليف ومحاولة تقليل المصروفات الداخلية بفصل موظفين أو غيره، أو زيادة الأسعار النهائية، ما يعني تحمل المستهلك فاتورة الرسوم الجمركية.
والمؤكد أن هذه الزيادة لن تبقى داخل الحدود الأميركية والمكسيكية؛ بل ستتعداها إلى جميع الدول التي تستورد السيارات الأميركية، والتي تشكل ما يقارب 20 في المائة من السيارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.