أسرى الهاتف الذكي

أسرى الهاتف الذكي

الأربعاء - 24 شوال 1435 هـ - 20 أغسطس 2014 مـ رقم العدد [13049]
عبير مشخص
صحافية وكاتبة سعودية في مجال الفنون والثقافة
تساءل مقال في صحيفة "الاندبندنت" مؤخرا عن تأثير "الثقافة الذكية" - وهو الاسم الذي أطلقة كاتب المقال على مدمني استخدام الهاتف الذكي - وخاصة بالنسبة لزوار المتاحف والمعارض.

ولاحظ الكاتب أن الكثيرين من الزوار لتلك الأماكن أصبحوا ينشغلون بتسجيل لحظات وجودهم في المتحف على الهاتف الذكي؛ فتجدهم يلتقطون لأنفسهم صورا أمام اللوحات الشهيرة أو ينشغلون بنقل تلك الصور الى مواقع الاتصال الاجتماعي للمشاركة بها مع أصدقائهم. وبدا أن الكاتب ينعى فكرة زيارة المتحف بغرض الاستمتاع بالأعمال الفنية والنظر لها مباشرة، عوضا عن النظر إليها عبر عدسة كاميرا رقمية. وتحدث إلى عدد من المختصين ممن لاموا أيضا على وجود مواقع تبادل الصور مثل "انستغرام"، الذي تسبب في حالة من الجنون بالتصوير وإضافة الرتوش والألوان الى الصور.

من المشاهد التي لا تنسى بالنسبة لي؛ مشهد الزحام الشديد أمام لوحة الموناليزا بمتحف اللوفر، من الصعب على الزائر ألا يتوجه لرؤية اللوحة سواء كان من المعجبين بها أم لا، ولكن الأمر الذي لفتني هو ان أغلب الواقفين أمام اللوحة كانو منشغلين بالتقاط صور لهم أمامها ثم التوجه لمكان آخر لالتقاط المزيد من صور "السيلفي".

انتشار السيلفي والتصوير بشكل عام أمر ملاحظ حولنا في كل مكان، ولكني أضيف إلى ذلك أن الأمر تعدى المتاحف وأصبح سمة من سمات العصر. فإذا سافرنا الى بلد لتقضية العطلة نجدنا مشغولين بالتقاط الصور في كل مكان، صحيح أن ذلك يعد جانبا من تسجيل تلك اللحظات ولخلق أرشيف من الذكريات المرئية، ولكني أعتقد أن الأمر قد يتخطى ذلك ويدخل في باب التسجيل لأجل التسجيل فقط. في رحلة لروما وخلال زيارة لأحد القصور التاريخية الجميلة هناك وجدت أمامي فتاة صينية تمسك بكاميرا صغيرة مثبتة على عصا بمقبض، تستخدمها لالتقاط الصور الشخصية لها، وخلال الجولة لم تتوقف الفتاة للحظة للاستمتاع بعمارة وجمال المكان، ولكنها حرصت على التقاط صور لها وهي مبتسمة في كل ركن من القصر، منتقلة بسرعة من غرفة لأخرى.

وعن تجربة شخصية وجدتني في متحف المتروبوليتان بنيويورك أمامي إبداع كبار الفنانين العالميين، في فرصة لرؤية كل لوحة عن قرب والتمتع بها من دون وسيط، ولكني لاحظت بعد فترة أنني أقوم بتصوير اللوحات لأستمتع بها لاحقا، وهنا رادوني تساؤل: أنا هنا الآن فلماذا لا أستمتع باللحظة كما هي وبالجمال الموجود أمامي بدلا من الاستمتاع به لاحقا وقد ابتعد عن ناظري وفصلت بيننا بلاد؟

الحق أن ذلك الخاطر نبهني لواحدة من مساوئ الهاتف الذكي، رغم أني من أكثر المدافعين عنه، ولكن حين أتحول إلى أسيرة لذلك الجهاز الصغير في يدي، أعتقد أن الامر يستدعي التوقف وإعادة الهاتف الى حقيبة اليد ومحاولة الاستمتاع بلحظات جميلة سريعة الزوال.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة