قَدر التطرف يصيب البرازيل

قَدر التطرف يصيب البرازيل

الخميس - 21 صفر 1440 هـ - 01 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14583]
صدقت هذه المرة استطلاعات الرأي، وفاز في الانتخابات الرئاسية البرازيلية جايير بولسونارو، اليميني المتطرف الآتي بأصوات الناخبين الذين سئموا الفساد والجريمة والبطالة والركود الاقتصادي.
التصويت الاحتجاجي أو «العقابي» الذي استهدف حزب العمال الذي حكم بين 2003 يوم انتخاب لولا دا سيلفا و2016 عندما عزل البرلمان ديلما روسيف، وحال بينه وبين العودة إلى السلطة، يشير إلى استعداد أكثرية البرازيليين (ولو بنسبة 55 في المائة التي صوتت لمصلحة بولسونارو) لتحمل خطر الوقوع تحت حكم الفاشية والديكتاتورية العسكرية، مقابل الخروج من الوضع القائم؛ حيث انخفضت معدلات النمو إلى نحو 2 في المائة، وزادت البطالة عن 12 في المائة، فيما قتل 60 ألف شخص في الجرائم التي تعم أرجاء البلاد.
أخذت المعركة الرئاسية البرازيلية شكل انقسام بين يمين وبين يسار، بسبب الانتماء الآيديولوجي الواضح للمرشحين اللذين خاضا الدورة الانتخابية الثانية، في الثامن والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. بولسونارو ضابط سابق أعلن عداءً صريحاً لليساريين الذين وصفهم بـ«اللصوص الحمر»؛ في حين ينتمي منافسه فرناندو حداد إلى حزب العمال الذي يعتنق فكراً اشتراكياً ديمقراطياً. بيد أن هذا الاختلاف لا يفسر وحده نجاح اليمين المتطرف وفشل اليسار. ويبدو باهتاً وبعيداً عن الواقع اعتماد تفسيرات عرجاء، من نوع «الفشل الدائم لليسار»، مقابل «نجاح اليمين في إيجاد فرص عمل وتحفيز الازدهار». كما أن الأصوات التي حيّت بعض أقوال الرئيس المنتخب المعادية لإيران، تتجاهل أن الرجل لا يكاد يعرف عن إيران وعن الشرق الأوسط سوى اسميهما، وهما بالنسبة إليه ليسا إلا شعارين انتخابيين يريد بهما لفت أنظار أشباه له في واشنطن وفي غيرها.
واندراج وصول جايير بولسونارو إلى الرئاسة في سياق النجاحات التي تحققها القوى الشعبوية، وأكثرها من اليمين المتطرف، في سلسلة الانتخابات التي تجري في كثير من دول العالم، يضع الحالة البرازيلية في تقاطع مع تجارب القوى الشعبوية التي تستغل الانقسام الاجتماعي، وتغذيه بالخوف من الأقليات والمهاجرين والمهمشين، وسط حملات من الأنباء الكاذبة على منصات التواصل الاجتماعي. «الوصفة» التي استخدمت في كثير من دول العالم، نجحت أيضاً في البرازيل؛ حيث عمل المرشح الشعبوي على تعميق الانقسام واستغلاله، واللعب على تناقضات الهويات المختلفة، والتحريض ضد الفقراء والسود والنساء، في تكرار حرفي لما استخدمه سياسيون آخرون ينتمون إلى المدرسة ذاتها، التي ترفع راية العداء «للمؤسسة السياسية التقليدية»؛ سواء في المجر مع فيكتور أوروبان، أو في الفلبين مع رودريغو دوتيرتي، أو في فرنسا مع مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية، التي وصلت إلى الدورة الثانية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة هناك.
تعلن هذه النماذج أن التمرد على «المؤسسة» يمكن أن يأتي من اليمين، وهو ليس عملاً من أعمال اليسار فقط. والنماذج هذه تعيد بتمردها التذكير بتجارب أبرز رموز الفاشية؛ حيث وصل بينيتو موسوليني إلى السلطة، من خلال زحف مؤيديه إلى روما، على سبيل المثال، قبل أن يجري تعيينه في منصبه الذي احتفظ به حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (أو بالأحرى حتى سقوط روما، وانتقاله إلى شمال إيطاليا حيث أنشأ الألمان له دويلة تحت إشرافهم). كما أن أدولف هتلر لم يتوقف عن تصوير نفسه كعدو لدود لحكومة فايمار العاجزة، وكل ما تمثله من تقاليد شاخت، مثلما شاخ الرئيس هندنبرغ. ويصح السير بالأمثلة إلى كثير من الأماكن التي يحقق الشعبويون فيها انتصارات انتخابية، مصرين، مع ذلك، على أنهم من خارج «المؤسسة»؛ بل على عداء مقيم معها.
جانب آخر على قدر من الأهمية في الحالة البرازيلية، يتمثل في أن أجهزة الرقابة الديمقراطية التي يفترض بها أن تعمل على منع بولسونارو من الشطط في سياساته، والإمعان في الانتقام من أعدائه، كما تعهد، لم تتجذر بعد في الحياة العامة في البلاد، التي لم يمر أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً على خروجها من تحت نير الديكتاتورية العسكرية التي يحن الرئيس الجديد للعودة إليها. وفي بلاد نخر الفساد إداراتها وكبار الموظفين فيها، قد لا تتمكن أدوات الرقابة غير الرسمية، من صحافة أو هيئات مجتمع مدني، من التصدي للنزعات السلطوية في رأس هرم الحكم.
ربما ينطوي الأمل بحفاظ معارضي بولسونارو على مؤسسات الدولة سليمة، في انتظار معركة انتخابية مقبلة يستطيعون فيها إجلاءه عن الرئاسة، بنوع من الأمل الرومانسي، ذلك أن التجارب تفيد بتركيز الحكام المشابهين للرئيس البرازيلي المنتخب على حرق طريق العودة من ورائهم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة