إيران وإضاءات ولاية سارلاند الألمانية

إيران وإضاءات ولاية سارلاند الألمانية

الجمعة - 20 ذو الحجة 1439 هـ - 31 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14521]
أمير طاهري
صحافيّ وكاتب ايرانيّ مثقّف لديه اهتمامات واسعة بشؤون الشّرق الاوسط والسّياسات الدّوليّة
حظيت ألمانيا، من بين جميع القوى الأوروبية، ومنذ بدايتها في عام 1871 بصفتها دولة قومية، بمكانة خاصة في وجدان الشعب الإيراني. ويعود ذلك جزئياً إلى حقيقة مفادها أن إيران وألمانيا، المنشأة حديثاً، تشتركان في الأعداء، لا سيما روسيا وإنجلترا.
ومع ذلك، فإن حقيقة أن الدولة الألمانية، ومنذ بداية العلاقة، قد أولت تركيزاً كبيراً على العلاقات الاقتصادية والعلمية، قد أقنعت كثيرا من المواطنين الإيرانيين بأن أصدقاءهم الجدد في أوروبا يرغبون في أن تنضم إيران إلى العالم الحديث المعاصر.
ورفضت إيران في عهد الشاه رضا بهلوي، إبان الحرب العالمية الثانية، الانضمام إلى التحالف الأنجلو - روسي في مواجهة ألمانيا النازية، ودفعت إيران جراء ذلك ثمناً باهظاً تمثل في غزو الحلفاء لترابها وأجبروا الحاشية الملكية فيها على البقاء في المنفى.
وبعد انقضاء الحرب، ظهرت ألمانيا الاتحادية صديقا من أخلص أصدقاء إيران داخل الكتلة الأوروبية. وصارت إيران من الوجهات «اللازمة» بالنسبة لمستشاري ألمانيا الاتحادية واحداً تلو الآخر. وبحلول عام 1979 عندما بلغت الثورة الإسلامية في إيران أوجها، كانت ألمانيا الاتحادية أيضاً هي الشريك التجاري الأول للدولة الإيرانية الجديدة.
وحتى اليوم، وفي عهد حكم الملالي، إن لم تكن ألمانيا تحظى بوضعية الحليف الأول، فهي على الأقل الشريك الأجنبي الذي لا يملك أجندات سياسية خفية بالنسبة للجمهورية الإسلامية.
ولذلك، لم يكن من المستغرب أن يلفت تعليق أخير صادر عن السيد هايكو ماس، وزير الخارجية الجديد في حكومة أنجيلا ميركل الائتلافية، نظر الرئيس حسن روحاني وحاشيته، واعتباره إشارة إلى أن أملهم في الانقسام ما بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد بات قاب قوسين أو أدنى من التحقق.
ودعا السيد هايكو ماس، عبر تعليقه في صحيفة «هاندلسبلات» الألمانية، إلى إنشاء قنوات سداد مستقلة، واعتبارها إلى حد كبير وسيلة من الوسائل التي تتفادى بها الشركات الأوروبية العقوبات الاقتصادية الأميركية الخاصة بالشركات - داخل أو خارج الولايات المتحدة - التي تتعامل تجارياً مع إيران.
وكتب السيد هايكو ماس قائلا: «لقد عادت العقوبات الأميركية إلى حيز التنفيذ مرة أخرى. وفي موقف كهذا، فمن الأهمية الاستراتيجية أن نخبر واشنطن وبكل وضوح، أننا نريد أن نعمل سوياً. ولكننا لن نسمح لكم بالتصرف على حساب مصالحنا».
ولقد رفضت السيدة ميركل تصريحات وزير خارجيتها في وقت لاحق، وأكدت ضرورة أن يواصل الاتحاد الأوروبي العمل والتنسيق مع الولايات المتحدة بشأن الحظر الاقتصادي المفروض على إيران. وعاد السيد هايكو ماس متراجعاً بطريقة ما عن تصريحه السابق بعد بضعة أيام. وصرح لصحيفة «بيلد آم سونتاغ» الألمانية قائلا: «لا أرى من حل بسيط لحماية الشركات من كل مخاطر العقوبات الاقتصادية الأميركية».
ورغم ذلك، حظيت وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الحكومة في طهران بمساحة كافية من الوقت لتصوير عالم خيالي تتفق فيه آراء الاتحاد الأوروبي، إلى جانب روسيا والصين، وربما حتى تركيا وماليزيا كذلك، على دعم وإسناد الجمهورية الإسلامية في مواجهة «الشيطان الأميركي الأكبر».
وعاون السيد هايكو ماس أكثر فصائل الصقور تشدداً في طهران، وهو الفصيل الذي يزعم أن الجمهورية الإسلامية ليست في حاجة إلى تقديم المزيد من التنازلات لأي جهة كانت، نظراً لأن القوى الدولية الكبرى غير قادرة على اعتماد موقف موحد بشأن أي قضية رئيسية.
والسيد هايكو ماس، وهو من السياسيين المحليين الألمان، من ذوي الخبرات المتواضعة في الشؤون الدولية. وليس من المفاجئ، في ضوء ذلك، أنه يتعامل مع «المعضلة الإيرانية» بقدر واضح من السذاجة السياسية. أيضاً، هناك ترحيب مستمر بجرعة «ما» من العداء الأميركي ضمن دوائر اليسار الأوروبي في الوقت الذي تحولت فيه هجمات السيد ترمب السياسية إلى ما يشبه الهواية الدولية المفضلة.
والسيد هايكو ماس ليس أول سياسي أوروبي يخفق في تقدير المشكلة الحقيقية مع الجمهورية الإسلامية، وأنها مشكلة «نظام حاكم»، أو «منظومة حكم» إن أردنا القول، ذلك الذي لا يملك إلا أن يفرض المشكلات المستمرة مع الجميع فقط، لأنه يعاني من معضلة أكيدة مع الذات.
وهذه المشكلة بإيجاز هي: ادعاء النظام الإيراني الحاكم أنه يحاول بناء ما وصفه المرشد الإيراني علي خامنئي بأنها «الحضارة الإسلامية الجديدة»، التي تفيد بأن الجمهورية الإسلامية في إيران، وعلى اعتبار أنها «الحكومة الشرعية الإسلامية الوحيدة في العالم»، ليست مُلزمة على الإطلاق باحترام أي جانب كان من جوانب القانون الدولي الذي هو نتاج قريحة أفكار «الصهاينة والصليبيين».
وضمن محددات عقيدة كهذه، فإنه يحق للجمهورية الإسلامية أن تفعل ما تشاء وقتما تشاء حتى تصطدم بعائق صعب، وفي هذه الحالة ينبغي عليها التوقف المؤقت انتظاراً لزوال المشقة، أو ما يُطلق عليه في الاصطلاح الديني «الغوث بعد البلاء» أو «الفرج بعد الشدة».
وفي وقت سابق من الشهر الحالي، أعرب علي خامنئي عن هذه العقيدة بأوضح صورها عندما تحدث حول العقوبات الاقتصادية المتوقعة من جانب الإدارة الأميركية إلى حشد من أنصاره ومريديه من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في طهران، مدعياً أنه لا حاجة بهم إلى فعل أي شيء مختلف هذه المرة أيضا.
وجاء في خطاب خامنئي ما نصه: «لن تكون هناك حرب ولا جهود دبلوماسية»، مضيفاً أنه من الآن فصاعدا لا ينبغي إجراء أي محادثات على أي مستوى مع الولايات المتحدة. ولكي يضفي قدراً من البأس على تصريحه الأول قال خامنئي إنه يجدد فرض الحظر الذي فرضه قبله آية الله الخميني، في هذا الشأن.
وكان رسالة خامنئي الضمنية تفيد بأن الجمهورية الإسلامية ليست في حاجة إلى إظهار أي قدر من المرونة، وذلك لأن خصومها سوف يتراجعون عن مواقفهم عاجلاً أو آجلاً. وتضفي بعض التصريحات الرنانة، مثل تلك التي أطلقها السيد هايكو ماس آنفاً، نوعاً من المصداقية على ذلك الافتراض الإيراني الخطير.
وفي المعتاد، تكون هناك طريقتان لمحاولة تسوية المشكلات الدولية: إما الدبلوماسية أو الحرب.
وبإعلان الزعيم الإيراني رفضه التام لكلا المسارين، فإنه يأمل في انتهاج مقاربة ثالثة: ألا وهي اعتماد الدبلوماسية المصطنعة في حين شن الحرب الحقيقية الخفية بعيداً عن الأنظار.
ولدى الملالي غير واحد من الأمثلة الواقعية، على اعتماد هذا النوع من الدبلوماسية المصطنعة في مواقف مماثلة.
ففي عام 1981، وقع الملالي على اتفاق الجزائر مع الرئيس الأميركي جيمي كارتر، متعهدين بموجب الاتفاق على عدم احتجاز المزيد من الرعايا والرهائن الأميركيين. ولم يلتزم النظام الإيراني الحاكم بتعهداته تلك، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن لم يكد يمر يوم من دون أن تحتجز إيران بعض الرهائن الأميركيين.
وفي عام 2015، دندن ملالي طهران ورقصوا كثيراً حول الاتفاق النووي الذي تم بإشراف الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، بيد أنهم رفضوا تماماً التوقيع على أي وثيقة وحالوا دون الاتفاق ودون تأمين أي ارتباط قانوني مُلزم.
وفي الآونة الأخيرة، وقع الرئيس حسن روحاني على ما يسمى اتفاقية بحر قزوين مع روسيا، وهي الوثيقة التي تزعم بعض الشخصيات في حاشية الرئيس الإيراني أنه لم يُكلف نفسه عناء قراءتها قبل التوقيع عليها. غير أن هذه الاتفاقية، التي هي من بنات أفكار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كانت قد باتت طي النسيان منذ ذلك الحين.
وتأجل اجتماع لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني لمناقشة بنود اتفاقية بحر قزوين إلى أجل غير مسمى. كذلك، بعثت الحكومة الإيرانية إلى حكومة كازاخستان، الموصوفة بـ«أمين المعاهدة»، برسالة تطالب فيها بإجراء المزيد من المحادثات بشأن بعض الجوانب «غير المحددة» التي لم يتم تناولها ضمن وثيقة أكتاو.
قد لا يدرك السيد هايكو ماس الأمر على حقيقته، بيد أن مشكلات إيران الحقيقية تتمثل في اعتقادها أن العالم بأسره لا بد أن يُدار وفق القواعد التي تصوغها الجمهورية الإسلامية في طهران وليس العكس.
وما لم تحاول القيادة الإيرانية تغيير طريقة تفكيرها، أو ما لم تتغير القيادة الإيرانية ذاتها، فليس بإمكان أحد قط أن يحمي إيران وشعبها من حماقات الزمرة الحاكمة هناك؛ لا أحد أبدا، ولا حتى السيد هايكو ماس، البرلماني اليساري من ولاية سارلاند الجنوبية الألمانية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة