حمد الماجد
كاتب سعودي وهو عضو مؤسس لـ«الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية». أستاذ التربية في «جامعة الإمام». عضو مجلس إدارة «مركز الملك عبد الله العالمي لحوار الأديان والثقافات». المدير العام السابق لـ«المركز الثقافي الإسلامي» في لندن. حاصل على الدكتوراه من جامعة «Hull» في بريطانيا. رئيس مجلس أمناء «مركز التراث الإسلامي البريطاني». رئيس تحرير سابق لمجلة «Islamic Quarterly» - لندن. سبق أن كتب في صحيفة «الوطن» السعودية، ومجلة «الثقافية» التي تصدر عن الملحقية الثقافية السعودية في لندن.
TT

تنقية الموروث من المرويات «الثورية»

من أشهر الروايات «الثورية» في أسلوب التعامل مع الحاكم المنسوبة لأحد الصحابة والتي تتردد في الساحة الإسلامية دون تدقيق أو تمحيص، قصة سلمان الفارسي الشهيرة حين استوقف عمرَ بن الخطاب رضي الله عنهما وهو يخطب ويقول: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، فقال سلمان: لا سمع لك اليوم ولا طاعة، فقال له عمر: ولم؟ قال سلمان: حتى تبين لنا من أين لك هذا البُرد (قطعة قماش) الذي ائتزرت به، وخلاصة اعتراض سلمان الفارسي هي في حصول الخليفة عمر على قماش أطول من الذي ناله بقية أفراد شعبه، وتقول الرواية إن عمر أقنع سلمان الفارسي حين أخبره بأن طوله الفارع جعله يأخذ نصيب ابنه عبد الله، فقال سلمان: الآن لك السمع والطاعة.
هذه الرواية ذات النَّفَس الثوري مكذوبة أو «موضوعة»، كما يسميها المختصون في الجرح والتعديل، كما لا يمكن أن نتصور أن يأتي ذلك من صحابي جليل نهل من المورد النبوي وتربى على يدي رسول رحيم حريص على استقرار أمته وأمنها، صلى الله عليه وسلم، فأوجب الطاعة للحاكم في اليسر والعسر والمنشط والمكره وعلى أثرة عليهم، أي حتى لو استحوذ الحاكم على ما لا يستحق، ثم يتشبث بعض الثوريين برواية هزيلة مكذوبة بل غير منطقية تظهر لنا أن صحابياً يتمرد على الخليفة عمر فقط من أجل قطعة قماش!!
وعلاوة على أنها مختلقة، بل إن الرواية أصلاً بدون إسناد كما يقول المحققون، فهي أيضاً تتعارض مع المتظافر والمتواتر من النصوص الشرعية الكثيرة، أبرزها رواية البخاري «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية».
وقل ذات الشيء عن رواية أخرى شائعة ذائعة يتناقلها بعض الذين ينزعون إلى الأسلوب الثوري في التغيير. تقول الرواية إن عمر بن الخطاب خطب فقال: «إذا أحسنتُ فأعينوني، وإذا أسأتُ فقوموني»، فقام له رجل في المسجد فقال: «لو رأينا فيك اعوجاجاً، لقوّمناه بسيوفنا! » فرد عمر: «الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقَوِّم عمر بسيفه! »، هذه الرواية وبهذا النص واهية ولا تصح نسبتها إلى عمر بن الخطاب.. نعم هناك روايات صحيحة حول ذات الحوار تسند المعنى العام لهذه الرواية من زاوية مسؤولية الرعية في تصحيح خطأ الراعي، لكن بالتأكيد ليس فيها نص تقويم الأخطاء بحد السيف وهو ما يعني الثورة المسلحة، وهو النص الذي اتكأت عليه جماعات التطرف والغلو والتغيير بالعنف في القديم والحديث، كما تجده أيضاً مبثوثاً حتى في أدبيات بعض الفصائل الإسلامية الحديثة التي لا تؤمن بالعنف ولا تمارسه في عملية التغيير.
والخطورة في هذا الطرح الانتقائي، أنهم يسلطون الأضواء على بعض المرويات الهزيلة الضعيفة فتشيع وتذيع، وتنتشر معها ميكروباتها الخطرة، ويغفلون أو يتغافلون عن النصوص الصريحة الصحيحة التي تحمي كيان المجتمع وتحرص على أمنه واستقراره بتأسيس مبدأ الطاعة والصبر على ضيم الحاكم، ويتهم بعضهم الأوضاع السياسية في القرون الأولى والاستئثار بالسلطة والتنافس عليها بأنها وراء تلفيق هذه الأحاديث «الصحيحة» وتسويقها.