علي العميم
صحافي ومثقف سعودي بدأ عمله الصحافي في مجلة «اليمامة» السعودية، كتب في جريدة «الرياض» وكتب في جريدة «عكاظ» السعوديتين، ثم عمل محرراً ثقافياً في جريدة «الشرق الأوسط»، ومحرراً صحافياً في مجلة «المجلة» وكتب زاوية أسبوعية فيها. له عدة مؤلفات منها «العلمانية والممانعة الاسلامية: محاورات في النهضة والحداثة»، و«شيء من النقد، شيء من التاريخ: آراء في الحداثة والصحوة في الليبرالية واليسار»، و«عبد الله النفيسي: الرجل، الفكرة التقلبات: سيرة غير تبجيلية». له دراسة عنوانها «المستشرق ورجل المخابرات البريطاني ج. هيوارث – دن: صلة مريبة بالإخوان المسلمين وحسن البنا وسيد قطب»، نشرها مقدمة لترجمة كتاب «الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة» لجيميس هيوارث – دن مع التعليق عليه.
TT

تصحيح لا مناقشة

يرى الدكتور أحمد العيسى أن وثيقة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية، الصادرة في عام 1968، صدرت في ظل تحديين كبيرين واجهتهما السعودية؛ هما: تحدي الفكر القومي العربي، وتحدي الأفكار الشيوعية، فـ«المنطقة كانت متأثرة بالفكر القومي العربي، وكان المد القومي الناصري في عنفوانه وزخمه، كما كانت الأفكار الشيوعية تكتسب أهمية لدى الشباب، بسبب الحرب الباردة، ودعم المعسكر الشيوعي حركات التحرر في البلاد العربية والأفريقية، وكانت الدولة السعودية – في ظل هذا كله – تواجه هذه الموجات الفكرية – داخلياً – بالاحتماء بجذورها الدينية لتحصين الشباب من التأثر بالحركات القومية العربية، كما كانت تواجهها – خارجياً – بالدعوة إلى التضامن الإسلامي، ومحاولة إيجاد حلفاء في البلاد العربية والإسلامية مناهضين لتلك التيارات الصاعدة».
ما قاله الدكتور أحمد يحتاج إلى تصحيح ومناقشة. ولنبدأ بالتصحيح.
للحرب الباردة تأثيرات على المنطقة العربية ككل، لكن ليس من بينها أن الشيوعية – كما قال – اكتسبت أهمية لدى الشباب، أو بتعبير آخر لقيت انتشاراً لدى من هم في سن الشباب ومن هم فوق هذه السن. فهي قد لقيت انتشاراً في بعض البلدان العربية، وبلدان مجاورة للعالم العربي، كتركيا وإيران قبل نشأة الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفياتي أو المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي، بسبب طبيعة أفكارها ونوعها. والشيوعية تسللت إلى السعودية في وقت متأخر – مقارنة ببعض البلدان العربية وبعض بلدان منطقة الشرق الأوسط – وإبان الحرب الباردة إلا أنه لم يكن لهذه الحرب أي دور في عملية التسلل هذه، كما لم ترسل الأممية الشيوعية (الكومنترن) مندوباً منها إلى السعودية بغرض البحث عن موطئ قدم للشيوعية أو بغرض تعزيزها وصقلها مع أول نشأتها فيها، كما هو حاصل في نشأة بعض الأحزاب الشيوعية في بعض البلدان المومأ إليها آنفاً. والسعوديون الذين اعتنقوها، اعتنقوها – كسبب عام – لأشياء تتعلق بمبادئها وشعاراتها البراقة، شأنهم في هذا شأن كل شيوعيي العالم في البلدان المتقدمة والبلدان النامية والبلدان المتخلفة.
أهمية الشيوعية وقوتها تنبع من داخلها، منهجاً وآيديولوجيا، وليس بسبب عامل أو ظرف خارجي يحيط بها ويحيط بالعالم. فالشيوعية كانت عقيدة ذات شأن وذات خطر. وكان من بين أسباب قيام الحرب الباردة، محاولة التصدي لها ومجابهتها وتطويقها بشتى السبل، لأنها كانت تنطوي على جاذبية آسرة وفتنة باذخة وسحر مُعمٍ وألق وهاج. وهذا ما ساعدها على التفشي والانتشار السريع حتى في معاقل الرأسمالية ومعاقل الديمقراطيات الغربية.
إن ما قاله – بصرف النظر عن دوافع ومنطلقات حكمه أو تفسيره - هو تقليل وتبسيط غير العارف. ويكفي للتدليل على حكمه هذا أو تفسيره ومن واقع التجربة الثقافية والفكرية التي تكوّن هو من خلالها، أن أشير إلى أن الخطاب الإسلامي المحدث انشغل بمعاداة الشيوعية أكثر مما انشغل ببناء نفسه، بناءً إيجابياً ومثمراً ودقيقاً ومتيناً على صعيد المنهج والآيديولوجيا، وإلى أنه تأثر بها على نحو مضاد، فتحكمت في توجيهه وتحديد عدد من مساراته، وصار يقلدها ويحاكيها في ميادين وقضايا متعددة، مع ادعاء أن ما يستنسخه منها هو من صميم رسالة الإسلام وجوفه.
ليس صحيحاً أن السعودية كانت تواجه الموجات الفكرية، داخلياً – حسبما عبر – بالاحتماء بجذورها الدينية، وتواجهها خارجياً بالدعوة إلى التضامن الإسلامي، فالتضامن الإسلامي شعار كانت السعودية تدعو إليه في داخلها وخارجها. من هذا التقسيم ما بين داخل وخارج الذي لا أصل له في تبني ذلك الشعار سأبدأ مناقشته. وفي حقيقة الأمر أن ما سأفعله هو إبراز لوجوه الخلل والاضطراب في سطوره، يتخلله بعض التصحيحات وليس هو مناقشة بالمعنى الدقيق لكلمة مناقشة.
حدد الدكتور أحمد العيسى التحديات التي كانت السعودية تواجهها بتحديين اثنين هما: تحدي الفكر القومي العربي وتحدي الأفكار الشيوعية. التحدي الأول – كما في روايته – واجهته السعودية بــ«الاحتماء بجذورها الدينية»، ونسي أن يخبرنا كيف واجهت السعودية التحدي الثاني، فـ«الاحتماء بالجذور الدينية» – كما روى هو – كان قاصراً على مواجهة التحدي الأول «لتحصين الشباب من التأثر بالحركات القومية العربية»!
أميركا استخدمت الدين في مقاومة الشيوعية ومحاربتها، وبخاصة الدين الإسلامي في المنطقة التي تسميها منطقة الشرق الأدنى، وسعت إلى إيجاد تكتل إسلامي – مسيحي ضد الشيوعية بدءاً من المؤتمر الإسلامي المسيحي العالمي المعقود في بحمدون في لبنان سنة 1954. والذي دعت إليه ورعته جمعية أصدقاء الشرق الأوسط في أميركا.
الاتحاد السوفياتي عبر منظّرين شيوعيين في جمهورياته الإسلامية وعبر شيوعيين في المنطقة الإسلامية حاول أن يستميل الإسلام ويكسبه إلى صفه، بالقول إن الإسلام في نظامه الاقتصادي أقرب إلى الشيوعية ومتنافر مع الرأسمالية. لكن محاولاته في التقريب ما بين الشيوعية والإسلام باءت بالفشل. وما فشل فيه نجحت فيه أميركا.
هذا على مستوى عالمي. أما على المستوى الإقليمي، فالسعودية أبرز دولة عربية وإسلامية استثمرت الإسلام في كفاحها ضد الشيوعية وضد الاشتراكية وضد ما يسمى الاشتراكية العربية والاشتراكية الإسلامية. بمعنى أن ما سماه «الاحتماء بالجذور الدينية» لم يكن قاصراً على مواجهة تحدي الفكر القومي العربي، بل يشمل مواجهة الشيوعية. وكان استثمار الإسلام في مواجهتها أوسع وأبعد من استثماره في مواجهة الناصرية وفكر القومية العربية.
وفي الصراع ما بين مصر في عهد جمال عبد الناصر والسعودية في أخريات عهد الملك سعود وفي عهد الملك فيصل، كان عبد الناصر هو – أيضاً – يستثمر الإسلام في مواجهة السعودية وفي مواجهة خصومه الآخرين.
إن قوله: إن السعودية احتمت داخلياً بجذورها الدينية لتحصين الشباب من التأثر بالحركات القومية العربية، قول موهم على مستويين.
المستوى الأول أن للسعودية جذوراً دينية تختلف عن جذور الأغلبية الدينية من سكان البلدان العربية. والسعودية – كما هو معلوم - مثلها مثل بقية البلدان العربية جذرها الديني وجذر هذه البقية جذر واحد، وهو الإسلام. فالإسلام ليس خاصاً بالسعودية ولا هو ما تختلف به عن محيطها العربي.
إن ما هو خاص بالدولة السعودية من الناحية الدينية الإسلامية، هو السلفية التي أرستها ورسّختها حركة إصلاح ديني سياسي، يصطلح على تسميتها عند كثيرين، بالحركة الوهابية.
إن كان يقصد هذا المعنى، وهو أنها احتمت أو لاذت أو تمترست بجذرها الديني الإسلامي الخاص بها، والذي هو السلفية والحركة الوهابية، فهذا كلام غير صحيح. فالسعودية منذ الستينات إلى أول الثمانينات احتمت بفكر الإخوان المسلمين وفكر الجماعة الإسلامية الهندية وفكر الإسلاميين المستقلين وفكر هؤلاء الديني فكر طارئ على السعودية وعلى بلدان الخليج والجزيرة العربية، وليس له جذور فيها.
وكان التركيز في الخطاب الديني الرسمي - الذي يمثل الحكومة تمام التمثيل في الداخل والخارج - على الإسلام الجامع الذي لا يلتفت إلى الاختلافات المذهبية والاختلافات الطائفية.
ومن ناحية عملية وواقعية، لم يكن بالإمكان الاحتماء بالسلفية الوهابية ولا بالسلفية الموجودة في بعض بلدان المشرق العربي لا بالسلفية الموجودة في القارة الهندية «لتحصين الشباب من التأثير بالحركات القومية العربية» ولا من التأثر بالفكر الماركسي ولا من التأثر بالثقافة الغربية عموماً، لأن السلفية الوهابية والسلفية الموجودة في بعض بلدان المشرق العربي والسلفية الهندية كانت غير متماسة مع العصر الحديث، وكانت في غيبة عنه في الفترة الزمنية المشار إليها آنفاً.
موجز القول إن تلك السلفيات لم تكن مؤهلة، لا للتحصين الثقافي والآيديولوجي، ولا للمجابهة والتحدي والتصدي لتيارات العصر الحديث وأمواجه العاتية.
وهذا الحكم ينسحب على الفكر الديني التقليدي العتيق غير السلفي في البلدان العربية والإسلامية، سنيه وشيعيه. وبما أن السلفية الوهابية كانت منكمشة على نفسها، فسيفهم من التعبير الذي استعمله، وهو «الاحتماء بجذورها الدينية»، أن السعودية في تلك الفترة انكمشت على جذرها الديني الإسلامي الخاص بها. وهذا لا يستقيم مع ما قاله عن دخول السعودية معترك مواجهة مع الفكر القومي العربي ومع الأفكار الشيوعية، ولا مع ما أراد أن يعبر عنه.
المستوى الثاني: أن تعبيره يوهم أن السعودية اطَّرحت جذرها الديني أو قطعت صلتها به لفترة من الزمن، ثم أحيت الصلة به وهذا أمر لم يحدث أبداً في تاريخها، فهي لم تقطع صلتها بجذرها الديني العام ولا بجذرها الديني الخاص.
السعودية منذ أمد بعيد في التصنيف السياسي والآيديولوجي المعاصر، دولة دينية. وبما أنها كذلك فهي ستجابه الآيديولوجيات الدنيوية على أسس دينية وليس على أسس علمانية وفلسفية وعلمية محضة. إذن فليس ثمة احتماء أو عودة لجذرها الديني – وبالتالي - لا معنى لذلك التعبير.
لتيسير فهم هذه القضية عليه أكثر أسأله: هل يصح أن نقول عن الحركات الدينية الإسلامية في لحظة مجابهتها للشيوعية والقومية إنها احتمت بجذورها الدينية؟! وللحديث بقية.