ثلاثية سوتشي وشرعنة احتلال سوريا

ثلاثية سوتشي وشرعنة احتلال سوريا

الأربعاء - 4 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 22 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [14239]
تستعد موسكو لفرض إرادتها على الشعب السوري وتخييره ما بين القبول برؤيتها للحل، أو استمرار استخدام العمل العسكري ضد مَن تبقى من فصائل «الجيش الحر»، كما يحدث الآن في الغوطة الشرقية والأتارب، وكأن الروس يُطبقون في هجماتهم الأخيرة الشعار الذي أطلقه شبيحة النظام وميليشياته الطائفية بداية الثورة (الأسد أو نحرق البلد) بهدف إركاع الشعب السوري ومن تبقى من معارضة سياسية وعسكرية تحاول مقاومة الإرادة الروسية.
يحتاج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى خروج سريع من المستنقع السوري، وهو يرى أمامه فرصة تاريخية لا تتكرر تحققت، نتيجة ضبابية الموقف الأميركي العالق بين التردد والتلكؤ، يضاف إليه غياب أوروبي وعربي وصل لدرجة الاستسلام في سوريا، مواقف سمحت للروس بطرح رؤيتهم للحل، وفقاً لمصلحتهم ومصلحة حلفائهم وفي مقدمتهم إيران، فقد استطاعت طهران بفضل موسكو تكريس وجودها السياسي والعسكري وحتى الاقتصادي في سوريا، وتمكنت نتيجة العنف المفرط ضد المدنيين السوريين، من إفراغ المدن الكبرى من سكانها، ما ساعدها على القيام بأكبر عملية إفراغ ديموغرافي منذ الحرب العالمية الثانية، فقد شهدت سوريا في السنوات الأخيرة عملية إفراغ ممنهج حولت 11 مليون سوري إلى نازح أو لاجئ، وهي عملية باركها رأس النظام، ووصفها بأنها أوجدت مجتمعاً سورياً متجانساً.
ففي الطريق إلى سوتشي، يستعد الأطراف الثلاثة روسيا وإيران وتركيا إلى تثبيت الوقائع التي نشأت على الأرض، جرّاء الأعمال العسكرية، والتي تم التأكيد عليها خلال جولات آستانة التفاوضية، والتي سمحت للأتراك بالتوغل داخل الأراضي السورية، بهدف إبعاد الخطر الكردي المتصاعد على حدودها مع سوريا، الذي يشكل خطراً فعلياً على أمنها القوي، حيث ظهرت حاجة أنقرة لموسكو وطهران في تحجيم دور الفصائل الكردية المسلحة التي تقاتل بغطاء أميركي، ما تسبب في انقلاب أنقرة على ثوابتها الجيوسياسية التقليدية، وأدى فعلياً إلى أن تُقدم أنقرة لجوءً سياسياً في موسكو، وجعل موقفها ضعيفاً في التسوية الثلاثية، وبرز ذلك أكثر بعد موافقتها على إرسال مراقبين من روسيا وإيران إلى منطقة خفض التصعيد في إدلب، وإلى عدم التطرق لشكل المرحلة الانتقالية، وهو ليس دليلاً فقط على تماهيها مع الرؤية الروسية، بل إنها أسقطت تحفظاتها السابقة على الوجود الإيراني في شمال سوريا، وخصوصاً في منطقة إدلب، حيث يوجد أغلب الفصائل العسكرية السورية الموالية لها.
في المقلب الآخر يمكن القول إن روسيا سمحت لإيران أن تتصرف كدولة محاذية لسوريا، واعتبار الحدود اللبنانية السورية بداية، والسورية العراقية لاحقاً، حدوداً طبيعية لها مع سوريا، فتمكنت من خلال ميليشياتها التي لعبت دور رأس الحربة في قتال الشعب السوري من جعل سوريا ضمن مجالها الحيوي، بحيث تقود طهران اليوم أغلب العمليات الميدانية في كافة الأراضي السورية، وتساعد نظام الأسد على بسط سيطرته على مزيد من الأراضي، وتوجت عملياتها العسكرية الأخيرة في دخول البوكمال على الحدود مع العراق، التي ظهر فيها قائد «فيلق القدس» اللواء قاسم سليماني يقود العمليات العسكرية فيها، وهي تُعتبر رسالة روسية إيرانية مزدوجة لكل المطالبين بتقليص النفوذ الإيراني في سوريا، بأن مطالبكم غير واقعية وتجاوزتها الأحداث، حيث يصبح كلام وزير الخارجية الروسي الأخير سيرغي لافروف عن الدور الإيراني في سوريا، وحتى على حدودها الجنوبية مع الأردن وإسرائيل، الثابت الأكثر وضوحاً في المشهد السوري، الذي تحاول موسكو شرعنته في قمة سوتشي الثلاثية.
نجحت موسكو في تحويل خصوم الأمس إلى شركاء اليوم، واستفادت من تقاطع المصالح بينها وبين أنقرة وطهران في سوريا، وحولت العداء التاريخي بينها إلى علاقة مستقرة تحكمها المنافع المتبادلة، لكن هذه المنافع تبقى محدودة المكان والصلاحية، لذلك لن يتمكنوا من تجاوز خمسة قرون من التنافس الجاهز للتشكل، في أي لحظة يدخل فيها عامل إضافي على الخريطة السياسية أو العسكرية السورية يربك التحالف المُركب المبني على معادلة 2+1 أي (إيران وروسيا) إضافة إلى تركيا، التي تجمعها المصلحة وتفرقها النوايا.
في سوتشي قمة ثلاثية الأبعاد، تتوافق على قاسم مشترك واحد هو شرعنة تدخلهم في سوريا، ولكنهم يختلفون على كثير من التفاصيل التي تسكنها الشياطين، حيث المناعة التركية ضعيفة في تجنب شياطين طهران، بينما خيارات موسكو بعيدة حتى الآن عن فكرة احتوائها، لذلك من الممكن أن تحصل طهران في سوتشي على ما عجزت لقرون عن تحقيقه.

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
22/11/2017 - 09:06

هناك نقطة وردت في مقال الأستاذ هاني لا أتفق معه كثيراً عليها وهي أن الموقف الأميركي متردد ومتلكئ، هم هكذا يريدوننا أن نفهم ولكن الواقع غير ذلك، الولايات المتحدة عهدت بالملف السوري من الغلاف إلى الغلاف للروس، وفي نفس الوقت بقيت ضامنة و"بقوة" تحييد نفوذ ونشاط حلفائها في هذا الملف فتصبح سوريا تماماً مثل قطعة اللحم الصافي تقطعها حسب مصالح كل طرف بمن فيهم إسرائيل بالطبع والذي يمثل الموقف الأميركي في واقعه إمتداد لها، تاركة المهام القذرة التي لايريد أحد القيام بها "رغم ضرورتها بالنسبة لهم" لإيران وتوابعها، في بدايات الثورة السورية فشلت إيران فشلاً ذريعاً حتى أتاها "المدد" والغطاء الدولي، ثوار سوريا وحلفاؤهم لم تعد أمامهم خيارات كثيرة في ظل تلك الظروف، والعرض الوحيد المتبقي كان "المشاركة" أو الخروج الكامل من المعادلة برمتها، وهذا هو المشهد.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة