جمال الكشكي
رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي». عضو مجلس إدارة مؤسسة الأهرام. عضو مجلس أمناء الحوار الوطني. عضو لجنة تحكيم جائزة الصحافة العربية. عمل مذيعاً وقدم برامج في عدة قنوات تليفزيونية.
TT

الخرائط تبحث عن مخرج طوارئ

استمع إلى المقالة

من دون أن نضع أيدينا على الداء لن نصل إلى الدواء، ومن دون أن نعترف بأن النظام الدولي في أزمة لن ننجح في الخروج منها.

لقد أريقت أطنان من الحبر على الدراسات والمقالات قبل أن نفهم ما هو عالم اليوم حقاً، وإن كان، من وجهة نظري، يشبه حالة اللاسلم واللاحرب، وهي حالة خطيرة يعرفها من جربها في الماضي، وتشبه الحياة في المناطق الرمادية.

عشية الحرب العظمى، قرر عالم ذلك الوقت أن تكون هناك منظمة دولية تصبح الضابط للصراعات، والحكم بين المتنافسين، وتستبق النزاعات حتى لا تصل إلى الصدام، وتفرعت عنها مؤسسات أخرى، أبرزها مجلس الأمن، يد المجتمع الدولي الضاربة.

وبعد أكثر من ثمانين عاماً من نشأتها، نقف عند مفترق طرق حاد، يكاد يصل بنا إلى لحظة صدام مرعبة، تصبح معها حروب الماضي مجرد نزوة.

هذا المفترق لم ينشأ على عجل، فقد نشأ نتيجة خلل متراكم في المعايير الدولية، وتطبيق القوانين، واحتكار خمس دول فقط لحق النقض «الفيتو»، والتصادم بين الشرق والغرب في الحرب الباردة، وعدم انتهاز فرصة التنمية من جانب الدول التي استقلت حديثاً عن الاستعمار، خصوصاً في الخمسينات والستينات.

هل نكتب درساً في التاريخ هنا؟ لا... إننا نحاول أن نقتنص اللحظة من براثن هدير المدافع، وأزيز الطائرات المسيّرة والصواريخ العابرة، والحرب عن بُعد، وخسارة جبهات القتال التقليدية، وتسابق الدول على الاستحواذ على فضاء الابتكار، وتعدد وتنوع مصادر القوة الشاملة.

وأي دولة أو أمة لن تستطيع الصمود في المناطق الرمادية، إلا من خلال الاعتماد على الذات، وتلك قصة أخرى.

يمكن أن أقول إن العالم القديم تشقق، وتكسر، وتهشم، لكنه لم ينتهِ بعد. فالبعض يقول إنه لا يزال عالم القطب الواحد، وبعضهم الآخر يقول إنه عالم تعدد الأقطاب من دون إعلان.

ويمكن أن أقول أيضاً إنه عالم يعيش في منطقة رمادية، أو حالة اللاسلم واللاحرب، وهي في الغالب مرحلة خطيرة، وغير حاسمة، فمن ناحية تنفق فيها الدول على السلاح وإنتاجه على حساب التنمية والاقتصاد، ومن ناحية أخرى تجد هذه الدول نفسها في حالة قلق دائم، والحالتان لا يمكن أن تولدا أي نوع من السلام المستقر المطمئن، ومع العجز التام للمنظمة الدولية، وعدم الاكتراث بقوانين الشرعية الدولية، فإن الواقع يصبح أكثر سيولة.

وتزداد المفارقة حدة مع تصاعد الإنفاق العسكري بين الدول العظمى، الذي يلتهم موارد كان يمكن توجيهها إلى التنمية والصحة والتعليم ومواجهة الفقر، فالعالم لا ينفق المزيد على السلاح وحده، وإنما يدفع ثمن ذلك من مستقبله، وحين تتحول أولوية الأمن إلى عبء يضغط على الاقتصاد والمجتمعات، فإنه يضع احتياجات التنمية في مرتبة أدنى.

فعندما تأتي دولة مثل إيران وتسيطر على مضيق هرمز، شريان الطاقة، وأحد ممرات سلاسل التجارة العالمية، وهو يخضع لقانون البحار لعام 1982، فإنها تقدم مثالاً صارخاً على مدى هشاشة هذا القانون الدولي، وتقدم نموذجاً يمكن أن تقوم به دول أخرى، ترى في الممرات والمضايق البحرية غنيمة، مما يجعل العالم يتعايش ويتكيف مع حالة اللاسلم واللاحرب. والسؤال هنا: لماذا وصلنا إلى هنا؟

هنا سأركز على نقطة واحدة، نقطة عدم احترام القوانين الدولية، فمثلاً هل يُعقل أن تختفي من أروقة الدبلوماسية الدولية قرارات واجبة النفاذ في الشأن الفلسطيني، مثل قرارات (181) و(194) و(242) و(338)؟

الغريب أن هذه القرارات نشأت وتزامنت مع نشأة الأمم المتحدة، أي أنها تعايشت معها من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، وتركيزي على هذه المسألة الجوهرية تحديداً، لأن منها تنطلق التوترات الإقليمية والعالمية، وإليها تعود الكارثة، ومنذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 أثبتت أنها جوهر الرواية العالمية المؤلمة.

وبالمثل، فقد اتخذت الحروب الدائرة في الإقليم، والقوى الإقليمية المجاورة، مثل إيران، من هذه المسألة ذريعة للقفز على الإقليم، وصناعة دروع حامية لمصالحها الذاتية.

والوقائع الحالية تثبت أن الأفكار، غير الواقعية، أفضت إلى الحالة العالمية الراهنة، فالمطامح الإمبراطورية، والطموحات المرتبطة بما يسمى تصدير الثورات، واستدعاء أنماط إمبراطوريات سالفة أو خلافة غائبة، أو إسرائيل الكبرى، كلها أفكار تحوم في الفراغ، لكنها تدفع الواقع إلى مزيد من الصدام.

وهكذا وصلنا إلى حالة أشبه بحالة العيش في المناطق الرمادية، فلا نحن أمام حرب شاملة تحسم الصراع، ولا نحن أمام سلام حقيقي قادر على إنتاج الاستقرار.

وبين الحالتين يقف العالم معلقاً بين نظام دولي يتآكل، وقواعد تفقد قدرتها على الإلزام، وقوى جديدة تبحث عن مكانها، وأفكار قديمة تصر على استعادة عالم لم يعد موجوداً، وخرائط تبحث عن مخرج طوارئ.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نملك شجاعة ابتكار نظام جديد أم سنظل نبحث عن حلول القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي؟