«تحظى إمبراطوريتنا السماوية بكل شيء وبوفرة كبيرة داخل حدودها، وليست بحاجة إلى منتجات البرابرة خارجها مقابل منتجاتنا» ـ هكذا جاء نص الرسالة التي وجهها الإمبراطور تشيان لونغ إلى الملك جورج الثالث عام 1793، والتي نقلها سفير الأخير، اللورد ماكارتني، لتقضي على أي أمل في تقليص عجز التجارة البريطانية، الناجم عن الطلب على الشاي والحرير والخزف الصيني -سلع كان يجري سداد قيمتها بالفضة. اليوم، يبدو هذا المضمون مألوفاً للغاية للمفاوضين التجاريين الغربيين.
وتتركز الرؤية السائدة بين مراقبي الشأن الصيني، حول أن نموذج النمو، الذي يتبناه الحزب الشيوعي الحاكم من أعلى لأسفل ويعتمد على الاستثمار، يلفظ أنفاسه الأخيرة. ويتجلى ذلك في تباطؤ الإنتاجية، وتسجيل ثلث الشركات خسائر، بينما يتقدم السكان في العمر. ومع ذلك، لا يحمل هذا الوضع عزاءً للقادة الغربيين، الذين يشهدون محو قطاعات واسعة من صناعاتهم المحلية، بسبب الواردات الرخيصة من الصين، بينما تتهاوى صادراتهم هم أنفسهم إلى الصين.
ورغم كل الحديث عن «الصين المكسورة» أو «بلوغ الصين ذروتها»، سجلت بكين، العام الماضي، أكبر فائض تجاري في التاريخ، بلغ 1.2 تريليون دولار، ناهيك بأنها مسؤولة عن ثلث الإنتاج التصنيعي العالمي، إضافةً إلى نحو خمس حجم صادرات السلع. والتساؤل هنا: هل تحقق كل ذلك عبر منافسة عادلة؟ في الواقع، تكشف الأرقام عن أن نحو 60 في المائة من مكاسب بكين في الحصة السوقية العالمية تنبع من الإعانات الحكومية، حسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. والمؤكد أن بكين تعتمد على الصادرات لتحقيق نمو، خصوصاً أنه في الداخل انهار الطلب الاستهلاكي بفعل انفجار فقاعة العقارات.
والآن، أهلاً بكم في النسخة الثانية من الصدمة الصينية، ويُقصَد بها الاضطراب الاقتصادي العظيم الثاني، الناجم عن دخولها السوق العالمية. وربما أدت جولتان من الرسوم الجمركية، التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إبطاء وتيرة المد مؤقتاً داخل الولايات المتحدة، لكنهما أعادتا توجيه صادرات الصين إلى أوروبا وبقية العالم. وبعد أن كانت بكين تمدّنا بالألعاب البلاستيكية والأزياء الرخيصة، أصبحت بضائعها اليوم ترتقي سلم القيمة بسرعة.
على سبيل المثال، نجد أن ألمانيا، التي كانت تتطلع يوماً نحو الصين بوصفها سوقاً مربحة لسيارات «بي إم دبليو» والسلع عالية التقنية، شهدت تراجعاً شديداً في قيمة صادراتها، في الوقت الذي يتألق أداء سيارات «بي واي دي» و«جايكو» داخل صالات العرض في ميونيخ وشتوتغارت.
وإلى جانب إيطاليا وبولندا، تقف ألمانيا -التي كانت يوماً رائدة التجارة الحرة- على شفا الهاوية، بينما تقضي موجات التسريح الضخمة للعمالة على قوتها العاملة المحلية. أما فرنسا، فلا تحتاج إلى الكثير من الإقناع كي تعمل على تعزيز الحواجز الجمركية لديها.
ومع وجود 13 مليون وظيفة على المحك في قطاع إنتاج السيارات عبر الاتحاد الأوروبي، سارعت بروكسل بفرض «قانون التسريع الصناعي»، الهادف إلى زيادة مساهمة التصنيع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي من 14.3 في المائة عام 2024 إلى 20 في المائة بحلول عام 2035. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أبرم التكتل اتفاقاً تجارياً مؤقتاً مع بكين لإدارة الرسوم الجمركية على السيارات الهجينة، لكن الهدف طويل الأجل للقانون فك الارتباط مع الصين.
والآن، أين يضع ذلك المملكة المتحدة، التي تجد نفسها عالقة بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي؟ الواضح أن أولويات بريطانيا تختلف عن حلفائها؛ فلديها قاعدة تصنيع أصغر وتصدير قائم على الخدمات. كما أن أهدافها الملزمة قانوناً المتمثلة في الوصول إلى صفر انبعاثات كربونية، تعتمد على تقنيات الطاقة المتجددة المستوردة من بكين.
اللافت أن الحكومة الحالية بقيادة حزب العمال، تتبع مساراً دقيقاً للغاية؛ فربما تتعرقل طموحات رئيس الوزراء أندي بيرنهام في التقارب مع الاتحاد الأوروبي، أو حتى الانضمام إليه مجدداً، إذا ما بدت بريطانيا في صورة حصان طروادة، فيما يخص السلع الصينية. كما تظل الولايات المتحدة أكبر سوق أمام الصادرات البريطانية، بينما لا تتجاوز حصة الصين 3.5 في المائة.
الواضح أن الحكومات المتعاقبة أخفقت في وضع استراتيجية تحدد المصلحة الوطنية. وتحت قيادة حزبي المحافظين والعمال على حد سواء، تذبذبَ موقف المملكة المتحدة وتأرجح ما بين الفتور والدفء في علاقاتها مع الصين، وإن كان الخنوع بدا الخيار المفضل في الغالب. وفي بعض الأحيان، يجري تحريك الخيوط من واشنطن، مثلما حدث عندما مارست إدارة ترمب الأولى، الضغط على رئيس الوزراء المحافظ بوريس جونسون، لإزالة معدات «هواوي» من جميع شبكات الجيل الخامس لدواعٍ أمنية.
كان وزير الخارجية السابق ديفيد لامي، عضو حزب العمال، قد قلل عمداً مستوى تقييم وزارته لخطورة التحدي الصيني، خوفاً من إغضاب بكين. أما خليفته إد ميليباند، فقد أعطى الأولوية للعلاقات الطيبة مع بكين، في فترة ولايته في منصب وزير للطاقة، نظراً إلى حاجته إلى المحولات والألواح الشمسية، والبطاريات صينية الصنع، لإنجاز أهداف التحول في مجال الطاقة.
وعلى ما يبدو، تجري صياغة السياسات بشكل ارتجالي؛ فوزير الأعمال جوناثان رينولدز، يعارض فرض حواجز جمركية، ويفضل الإبقاء على الرسوم الجمركية القياسية البالغة 10 في المائة على السيارات الكهربائية الصينية، على أمل أن تمنح بكين تراخيص لتصنيع سياراتها في بريطانيا، خصوصاً أن نحو ربع السيارات الجديدة المبيعة في المملكة المتحدة، الشهر الماضي، مستوردة من الصين.
وتتمسك الخزانة بالارتباط التاريخي بين لندن والتجارة الحرة. ويفضل السياسيون إبقاء الرفوف مملوءة بالبضائع منخفضة السعر، وتغذية الناخبين بالأغذية والمشروبات الرخيصة، في حين تضع الصين وألمانيا التصنيع والصادرات في المقام الأول.
اليوم، يواجه بيرنهام مطالب بالانحياز إلى جانب معين. والسؤال: إذا فرض رسوماً جمركية تضخمية على السلع الصينية، فما تداعيات ذلك على استراتيجية تكلفة المعيشة لديه، خصوصاً مع ارتفاع التضخم إلى 3.5 في المائة في وقت تحوم سحب الحرب مجدداً فوق أسعار النفط؟ وإذا لم يتحرك، فماذا يعني ذلك لطموحه القوي فيما يخص إعادة التصنيع داخل المملكة المتحدة؟
من ناحيتها، لن تنتظر بروكسل الإجابة إلى الأبد؛ ففي نهاية الشهر المقبل، من المفترض أن تمهد قمة مشتركة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، الطريق نحو علاقات تجارية أفضل مع القارة. ورغم أن المسودة الأولى لقواعد «قانون التسريع الصناعي» عاملت المملكة المتحدة بوصفها «شريكاً موثوقاً»، في إطار مخطط «صُنع في أوروبا»، ترغب فرنسا وألمانيا في أن تطبق المملكة المتحدة الرسوم الجمركية نفسها على السيارات الكهربائية الصينية.
والآن، ما التنازلات التي سيجنيها بيرنهام في المقابل؟ رغم أن الاقتران المشؤوم بين أهداف الانبعاثات الصفرية الصارمة وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قد أضر بصادرات السيارات البريطانية، فإن البلاد تنتج القليل من السيارات الكهربائية، التي ستستفيد أكثر من التغييرات الوشيكة في قواعد الاتحاد الأوروبي. ويُقدر مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» البحثي، أن «مستقبل الصناعة سيتحدد تبعاً للسياسة التجارية، على الأقل، بقدر ما يتحدد بالهندسة، وعلى ضوء الاتجاهات الحالية، لا تجني المملكة المتحدة ما يكفي من المكاسب».
في الواقع، إن غياب الوضوح بشأن المصلحة الوطنية، يظل المشكلة الأساسية.
أما الصورة الكبرى فتكشف عن أن الغرب فشل في تنسيق استجابته للنسخة الثانية من الصدمة الصينية. وبوصفها عضواً في الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ، ينبغي للمملكة المتحدة استخدام موقعها المحوري للمطالبة بجبهة ديمقراطية موحدة. وحتى يغادر ترمب المشهد، يظل هذا الأمر مستبعداً للغاية، ومع ذلك فإن التخبط الحالي لن يجلب سوى الكوارث.
