إياد أبو شقرا
صحافي وباحث لبناني، تلقى تعليمه العالي في الجامعة الأميركية في بيروت (لبنان)، وجامعة لندن (بريطانيا). عمل مع «الشرق الأوسط» منذ أواخر عقد السبعينات وحتى اليوم، وتدرج في عدد من المواقع والمسؤوليات؛ بينها كبير المحررين، ومدير التحرير، ورئيس وحدة الأبحاث، وسكرتير هيئة التحرير.
TT

انتخابات نتنياهو... بين الحظ والمؤامرة

استمع إلى المقالة

هذه ساعات بشعة ومقلقة، لكننا لا نحتاج معها إلى تكرار العودة لـ«نظرية المؤامرة».

أكيد نحن في يأس مُقيم وتخلّف مؤلم، تداعياتهما أسوأ من أي مؤامرة. وإلى جانب هاتين «الآفتين»، أي اليأس والتخلّف، يستهدفنا عدوّ ظَلوم وشرس ومتّقد ومحظوظ ومدعوم عالمياً بلا حساب.

وما حدث بالأمس، عند أحد الحواجز الأمنية في مدينة الخليل الفلسطينية وفي قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، لا يُبرَّر... لأنه كارثي بكل المقاييس.

ثم إن كارثيته تُضاف، للأسف، إلى ما يشهده شرق شبه الجزيرة العربية وجنوبها، وما تمارسه إسرائيل على أراضي فلسطين ولبنان وسوريا، وما تنزفه باقي الجروح العربية المفتوحة والملتهبة...

ومن ثم، يعزّز ما حدث في محيطي الخليل والكرك، المدينتين الشقيقتين عبر وادي الأردن والبحر الميت، المناخ «الواعد جداً» و«المناسب جداً» لمشروع اليمين الفاشي الإسرائيلي القائم على تقسيم المنطقة العربية وإذلالها. ولعل، بنيامين نتنياهو، المنشغل بهاجس الاحتفاظ برئاسة الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات الحالية، كان يحلم - بلا شك - بهدايا مجانية إضافية من أعدائه العرب على أبواب انتخابات مصيرية بالنسبة له. نتنياهو، الذي غدا منذ بعض الوقت «أطول ساسة إسرائيل احتفاظاً بالحكم»، سياسي ذكي... طبعاً، ثم إنه محظوظ بتحالفاته وعداواته، وخبير بنقاط الضعف والقوة عند الذين يتعامل معهم، ويساومهم، ويبادلهم الخدمات... داخل إسرائيل وخارجها.

داخل إسرائيل، لم يتردّد نتنياهو يوماً في مدّ يد التعاون إلى أفظع الغُلاة الاستئصاليين المتطرفين الذين كان سابقوه اليمينيون، كمناحيم بيغن وآريئيل شارون، يأنفون من إدخالهم حكوماتهم الائتلافية. لكن ها هو يستعين اليوم بنوعيات إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، ويطلق أحقادهم وميليشياتهم - بل، ورعاع مستوطنيهم - في كل مكان وصل إليه جيشه.

أما خارج إسرائيل، فإن استثمار نتنياهو لافتٌ في «التحالف» على امتداد أوروبا مع «الفاشيين الجدد» و«النازيين الجدد»، مستغلاً «أولويتهم» المستحدثة القائمة على محاربة المهاجرين من العالم الثالث، وبالأخص الجاليات المسلمة.

ولعلها من المفارقات الكبرى أن عقائد «حلفاء» نتنياهو الجُدد في أوروبا، ومعلّميهم من قبلهم، كـ«العداء للسامية»، كانت وراء الأمراض التي يستغلّها الزعيم الإسرائيلي راهناً... ويبتزّ بها العالم.

من جهة أخرى، في القارة الأميركية، شمالها وجنوبها، تتضافر جهود «لوبيات» نتنياهو راهناً مع جهود غُلاة «إيفانجيليي» الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وفي أميركا اللاتينية. ولئن كانت العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي وشاغلي «البيت الأبيض» أكثر من ممتازة تقليدياً، فإنَّ اختراقات نتنياهو الأخيرة في دول أميركا اللاتينية مثيرة للاهتمام والرصد. إذ شهدت دول القارة، ذات الغالبية السكانية الكاثوليكية خلال السنوات الأخيرة، انتصارات ضخمة لليمين المتطرف. وأخذ «الإيفانجيليون» البروتستانت الدور القديم الذي كانت تلعبه إبان «الحرب الباردة» قيادات تقليدية في الكنيسة الكاثوليكية. ومن ثم، صارت أصواتهم وأموالهم وعلاقاتهم مع كبار ضباط الجيش... العمود الفقري لحملاتهم الانتخابية ولمافيات المال والسلاح.

في هذه الأثناء، بينما يتوجّه عشرات الملايين إلى مراكز الاقتراع في أوروبا وأميركا، تجب ملاحظة تغيّرين مهمّين:

التغيّر الأول، أنه على الرغم من التراجع الظاهر لشعبية إسرائيل في معظم المجتمعات الغربية، وتحديداً في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ولا سيما بعد 2023، فإنَّ هذا التراجع أقل صلابة وتأثيراً ممّا توحي به الأرقام وحدها؛ إذ إنَّ «الدولة العميقة» التي تشمل: بيئة المال، وصانعي الرأي العام (الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة وجهات تمويلها)، و«مؤسسات السلطة» بأجهزتها وأحزابها ومنظماتها ما زالت على ولائها الشديد والعميق لإسرائيل. أمَّا أصوات الاعتراض... فحتى لو بلغت الملايين في تظاهرات الشوارع والساحات تظلّ «قوة رخوة» و«ظواهر صوتية» قليلة التأثير في آلية اتخاذ القرار.

التغيّر الثاني، متّصل بالتقدّم التكنولوجي الهائل ودوره المؤثر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ليس في الغرب الأوروبي والأميركي فحسب، بل في العالم بأسره؛ ولهذا التغيّر المؤثّر بضعة أبعاد منها:

1- احتكار قلة ضئيلة وراديكالية من المليارديرات عالم التكنولوجيا المتقدمة – وأحدثها الذكاء الاصطناعي –، وهؤلاء يتحكّمون أكثر فأكثر ليس فقط في حياة العالم الصناعية والاستهلاكية، بل أيضاً في طرق التفكير والمفاهيم والتبادل الثقافي والخصوصية وتقرير أنماط العيش.

2- بسبب التقدّم التكنولوجي الهائل، تتساقط تباعاً ما كانت «مسلّمات» في حياة البشر والمجتمعات. وحقاً، يصارحنا اليوم بعض مليارديرات التكنولوجيا المتقدمة، بأنَّ مفاهيم العمل والوظائف التي اعتدنا عليها صارت من الماضي، لدرجة أنه «قد لا تبقى حاجة للإنسان».

3- تراجع «محورية» دور الإنسان في عالم الغد، كنتيجة للتقدم التكنولوجي، سيلغي حتماً الحاجة للقضايا المجتمعية والمطلبية، ومعها وجود أحزاب ونقابات وحكومات وقضاء.

أمام هذا «السيناريو» المُخيف الذي يعيش مخطّطوه في القرن الـ22، نجد أن العقليات الممسكة بالسلاح في منطقتنا المسكينة... إما تفكر بذهنية القرن العاشر، أو هي أدوات ومطايا صماء بكماء تخدم سادتها «جماعة» القرن الـ22!