لم يقْتصرُ درْس الطائفيّة بوصفه واقعة اجتماعيّة على مجالٍ بعينه، بل يهتمّ به كل متخصص على طريقته بأيٍ حقلٍ علميّ «اجتماعي، ديني، سياسي، فكري» ما يهمنا الآن هنا درْسه ضمن المجال الاقتصادي.
نعم؛ لم تكن الطائفية بعيدةً عن التفسير الاقتصادي. بالتأكيد إن التمييز الطائفي يبدأ عادةً من القاعدة ومن ثمّ يتصاعدُ إلى الأعلى يصّعّد أثره مكوّناً مجموعة أفكار وأنماطٍ ونُظُمٍ واستراتيجيات فتّاكة.
غير أن الإمساك بعصب تأثير هذا الثلم الاجتماعي بغية تحجيمه قدر الإمكان مطمح كل باحث.
وقد كتب المختصّون حول دور مفهوم الدولة بكل مؤسساتها وشرائعها وقوانينها وقوّتها التنفيذية على تحييد الطائفية على الأقل من أي تأثيرٍ مباشر على التعايش في المجال العام. ثمرة ذلك المخاض مجموعة من القوانين والتشريعات التي تكفل حق الجميع باتباع ما يريدون من دينٍ أو طائفةٍ أو طريقةٍ روحيّة، ولكن من دون تسييلها كبرنامج دعوةٍ أو أسلوب تفوّقٍ على الآخرين، فضلاً عن أن يصل إلى استتابة المخالف أو تكفيره، بل يكون الواقع مدنياً خالياً من صراعات الطائفية الفتّاكة، والتزام كل مجموعةٍ أو فردٍ بنظم الدولة وشرعتها.
لم يُعنَ الفيلسوف وعالم الاجتماع الكبير ماكس فيبر بالطائفة على الطريقة المدرسية والتربوية التقليدية، بل هرع نحو تقصّي معنى الطائفة من زاويتها الرأسمالية، وذلك في مقالةٍ له بعنوان «الطوائف البروتستانتية وروح الرأسمالية» كتبها في عام 1920، نشرت في كتاب «مقالات في علم الاجتماع الاقتصادي» الذي حرّره ريتشارد سويدبرغ، وترجمتْه ابتسام خضرا.
ميزة ما طرحه فيبر أنه حلّل الطائفة من منظورٍ اقتصادي، حيث بدأ بموضوع التعميد، إذ يعتبر الدخول في الطائفة ضمانة أكيدة للصفات الأخلاقية للرجل المهذب، وخصوصاً الصفات المطلوبة في أمور الأعمال التجارية. فالتعميد يكفل للفرد «المصرفي» الحصول على ودائع المنطقة كلها والائتمان غير المحدود الذي لا ينافسه فيه أحد. إنه «رجل واثق من النجاح». والملاحظات الإضافية تؤكد أن هذه الظواهر، أو ما يشابهها على الأقل، تتكرر في أشد المناطق تنوعاً. وبصورة عامة، لم ينجح من رجال الأعمال إلا من ينتمون إلى الطائفة الميثودية، أو الطائفة المعمدانية، أو طوائف أخرى، أو تجمعات دينية شبه طائفية.
لكن ماذا عن الفرد في طائفته ودورها في تنظيم شؤونه الماليّة؟!
يجيب فيبر «عندما ينتقل عضو طائفة ليقيم في مكان آخر، أو إذا كان بائعاً متجولاً، فإنه يحمل معه شهادة انتمائه إلى طائفته؛ وبذلك يسهل عليه التواصل مع أعضاء طائفته، بل ويكون أيضاً، وعلاوة على كل شيء، محل ثقة ائتمانية في كل مكان. فإذا دخل في ضائقة اقتصادية بلا خطأ ارتكبه، تقوم الطائفة بتنظيم شؤونه».
هذه الجمل السريعة من البحث الطويل أعلّق عليها بنقطتين.
الأولى، ضرورة التركيز على الدور الاقتصادي العام والمادي الخاص في توجيه الأفكار؛ وفي تبويب الطوائف وإيقاظ نزعاتها في كثيرٍ من الأحايين، وهو ولئن كان تأثيره كامناً فإن فيبر وضع مشرط نظريّته حول الرأسمالية على الجرح حين شرّح البروتستانتية وعلاقات التصدّع الطائفي داخلها بالمنافسة الماديّة مما جعل معارك الطائفة في مكانٍ ما تحتدم أكثر حين تكون مشبوبةً بوقود المال، حينها يصبّ زيته على أحاديث الخلاص والنجاة مما يؤسس للتنافر والحروب الأهلية، وأحيا أدبيات الاصطفاء.
الثانية: أهمية رصد الشبه بما يتعلق بالتصدّع الطائفي بغضّ النظر عن الانتماء لأيّ ملّةٍ، فثمة تشابه تكويني على النحو الذي لخّصه فيبر، صحيحٌ أن منطلقه كما في كلّ نظريته حول «النُّسُكيّة البروتستانتية» غير أنها تصحّ على بقيّة الطوائف وإن بدرجاتٍ أقلّ. إن الفتوحات التي منحنا إياها فيبر لموضوع الطائفة تبيّن المستوى البشري للنزعات التي يزعم أصحابها أنها نابعةٌ من الطهرانيّة بينما تتبدى آثار المصالح الدنيوية لنا مع كل اضطرام لنار الطائفية المُهْلِك.
الخلاصة؛ أن ماكس فيبر لئن لم يقصد في بحثه عن «الطائفة» السياسات الطائفية بالمعنى الميداني التي نعيشها نحنُ في الإقليم، فإن من المفيد الاستئناس بما طرحه لجهةِ الأثر التنافسي الدنيوي والأثر الرأسمالي على تعزيز أفكار التصدّع والتناحر والتكاره.
