المؤشراتُ الأولية تفيد باحتمالاتٍ قويةٍ لأن تأتيَ الانتخاباتُ الإسرائيلية بجديد، يكون عنوانُه إزاحة نتنياهو وتحالفه عن سدّة الحكم، وقيام ائتلافٍ بديل يُرجّح حتى الآن أن يشكّل حكومتَه الجنرال آيزنكوت.
في إسرائيلَ حيث الاستطلاعات تُنبئ بدرجةٍ قريبةٍ من الدقة عن أحجام القوى الرئيسة فيها، فإنَّ من سيشكّل الحكومةَ الجديدة سيجد نفسَه مكبّلاً بقيود البرامجِ الخاصة للقوى المنخرطة في ائتلافه.
ولنأخذ فرضيةَ آيزنكوت، وتشكيله حكومةً تضم القوى الحزبيةَ التي مكّنته من الفوز، فما هي حدودُ التغيير الذي يستطيعه، واضعينَ في الاعتبار أنَّ ائتلافه أجمع على بندٍ واحدٍ فقط «لا لنتنياهو»، وغير ذلك فكلُّ شيءٍ مختلفٌ عليه.
حالُ آيزنكوت وائتلافه يختلف كثيراً عن حال نتنياهو الذي حكم إسرائيلَ لفترةٍ طويلةٍ واتَّسم ائتلافه بالانضباط الصارم له، وذلك بسبب يقين كلّ طرفٍ من أطرافه بأن لا فرصةَ له في الحكم إلا بالانضباط لرئيسه، الذي تمكّن من تكييف السياسة الإسرائيلية مع ميول وبرامج أعضاء ائتلافه.
كانوا جميعاً معه في أي قرارٍ يتخذ، وحتى حين أطاح جنرالاتٍ وسياسيين لا ينسجمون معه، وجد حمايةً حاسمةً من ائتلافه، لم تكن اقتناعاً بما فعل، بل ضرورةً للبقاء في الحكم.
تمكّن نتنياهو من إرضاء أقطاب ائتلافه، حتى شعر كلُّ واحدٍ منهم بأنَّه رئيس وزراءٍ في مجاله؛ سموتريتش وزير ماليةٍ حقيقي، وشريكٌ فعّالٌ في وزارة الدفاع، وبن غفير وزير أمنٍ داخلي يقود الشرطةَ حتى فيما هو خارجٌ عن صلاحياتها وتقاليد عملها، وحين كانَ يقتحم الأقصى مثلاً ويعتدي على المصلّين، بما يسيء لعلاقة إسرائيلَ مع الأردن، كان نتنياهو يغضّ الطرف بما هو في الحقيقة تغطيةً لسلوكه؛ إذ لا بقاء لنتنياهو على رأس الحكومة إذا ما انسحب بن غفير من ائتلافه.
كانَ ائتلاف نتنياهو قائماً على مصالح متبادلة بينه وبين أقطابه وفّرت بقاءً ورسوخاً للائتلاف على النحو الذي أكملَ فيه ولايتَه دون نقصان يومٍ واحد. غير أن الأمر مختلفٌ مع آيزنكوت الذي سيشكّل حكومةً برنامجها المتفق عليه «لا لنتنياهو».
لقد نشأت الخلافاتُ المستقبلية بين أقطاب ائتلافه قبل الانتخابات؛ فمثلاً يرى بينيت، رغم كونه الأقل حظاً في الاستطلاعات، أنَّه الأحق بتشكيل الحكومة؛ لكونه فعلَها حين تقاسمها مع لبيد، ما وفّر له شهادة خدمةٍ تميّز بها عن الجنرال المستجد في السياسة والحكم.
وكذلك الأمر بالنسبة لليبرمان، صاحب أكثر المواقف يمينيةً من نتنياهو، فالمهاجر الروسي يرى نفسَه جديراً برئاسة الحكومة؛ فهو وحده القادر على خلافة نتنياهو في قيادة اليمين كله في إسرائيل، بما في ذلك «الليكود»، ولا ينقص ليبرمان في مجال الخبرة ما يؤهله لعرض نفسه؛ فقد كان وزيراً للدفاع، ووزيراً للخارجية، وشغل وزاراتٍ أخرى.
لقد تمّ تأجيل الاقتتال المسبق على رئاسة الحكومة لضمان الأغلبية الكافية لإطاحة نتنياهو. غير أنَّ ما سيكون بعد الفوز هو بالتأكيد استئناف الاختلاف على موقع الرجل الأول، وسيحتفظ كل قطبٍ من أقطابه بأجندته الخاصة متحيّناً الفرصة المناسبة للانقضاض، وقد حدث مثل هذا كثيراً في إسرائيل.
وما دمنا نتحدَّثُ عن فرضية فوز آيزنكوت وتشكيله الحكومة الجديدة، فإنَّ مشكلةً جديةً تواجه الجنرال، وهي كيفية تعامله مع النواب العرب، الذين يُوصفون ببيضةِ القبّان في تشكيل أي حكومة، والأمرُ هنا ليس مجردَ أصواتٍ معروضةٍ للمساومة، بل هنالك شروطٌ ألزمت بيضة القبّان نفسها بها في أمر من تدعم ومن توفّر له شبكة الأمان، منها شرط فتح أفقٍ سياسي لحل القضية الفلسطينية، وهذا يبدو أصعبَ الشروط حيال الإجماع الصهيوني على عدم الموافقة على قيام الدولة الفلسطينية.
كيف يمكن لآيزنكوت معالجةَ هذه المعضلة؟ حتى الآن الرجلُ لا يكشف أوراقه في هذا الشأن. غير أنَّ حسابات الحقل تختلف حتماً عن حسابات البيدر، وما كان قبل الانتخابات في مرحلة تجميع الأصوات، يختلف عمّا بعدها؛ أي حين تكون ولادة الحكومة هي الأساس، والحفاظ عليها كذلك.
بعد أيامٍ قليلة تتَّضح الأمورُ الغامضة، ويجاب عن الأسئلةِ التي كان تفاديها ضرورياً في الحملة الانتخابية. غير أنَّ حقيقةً أكيدةً لا بد من وضعها في الاعتبار، هي أنَّ التغيير لا بد أن يحدث، ولكنَّ السؤالَ: إلى أين تصل حدوده؟
