لا يعزُب عن الدارسين والمؤرخين للعلوم وتاريخها، وللظواهر وجذورها ومصادرها أن الإمساك بتلابيبها والغوص في أصلها من المهام الكبار التي أخذت وقتاً طويلاً حتى تصل إلى النضج التي باتت عليه في مجالات البحوث والأكاديميات بالعالم.
مع كل موجةِ نضوب بحثيّة أو انهياراتٍ تحليلية تنبري بعض العقول اللامعة لوضع خُطّاطاتٍ بحثيّة تتبع كل مفهومٍ من جذره بحثاً عن وثائقه وتاريخه، ومن ثمّ إدماجه في مجال التحليل ليأخذ دورته التنقيبية الشاملة قبل أن يصل المهتمّ إلى «المعيار» الملائم الذي على أثره ينسب هذا الموضوع إلى مجالاتٍ تاريخيّة أو فكريّة أو اجتماعيّة أو نفسية.
حدثَ هذا في مجالاتٍ عديدة اقتنصها المختصّون لإدراك «الكُنْه» الذي تنبجس منه، ولئن استعزّت هذه البحوث في القرون السابقة تحديداً من السادس عشر، فإنها في القرن العشرين ستأخذ صياغةً علميّة تحليليةً أركيولوجيةً محكمة، ومن ذلك على سبيل المثال ما فعله ميشيل فوكو بأبحاثه التوثيقية للجنون والسجون والمصحّات وسواها.
يهمنا في هذه المساحة ضرب المثال بنظريّته حول «ولادة العيادة» لأنه أعاد لموضوع «المعيار» حُكمَه، فالصحّة هي معيار تشخيص المرض وهكذا، ومن جهةٍ أخرى لأن الكتاب تشعّب في النواحي البيئية والعدوى التي مردّها تحوّل الأسرة إلى جزء من «حالة الطبيعة» التي يترعرع فيها المرض، بالإضافة إلى ثيمات أخرى يستعين بها فوكو مثل معاني تنظيم الطب وتطوّره لصالح الأنوار والحريّة، فكما أن ثمة مرضاً تاريخياً مردّه إلى الواقع والقانون، فإن ثمة أمراضاً أخرى فلسفية وفكريّة وخرافية مردّها «الوباء التكويني».
ثم يسرد علينا فوكو كيف أن التدريب الطبّي ما حُلّت مشكلته إلا بتنظيم التعليم، وآية ذلك أن المرض والوفاة قدّما المزيد من «الدروس» في المستشفيات، فالإصلاح التعليمي ساهم في تمتين «أشكالٍ من التجربة» في المعالجة، ضمن معرفة المرض بالذات وإنما «أشدّ أصوليّة»، وبحسب فوكو فـ«في القرن الثامن عشر أصبح نظام التربية والتعليم، بصفته منظومة لمعايير التأهيل متمفصلاً بشكلٍ مباشر مع نظريةِ تمثّل الأفكار وترابطها. لقد كانت طفولة الأشياء والناس وشبابهما مشحونين بسلطةٍ غامضة، ألا وهي أن تنطلق بولادة الحقيقة وتقرّبها، وعليه صار الطفلُ سيّد الكهل من باب أن التدريب الحقيقي يتماهى مع نشأة الحقيقي ذاته».
من هذه الزاوية لدى فوكو يمكننا استثمار منهجيّته بغية فهمٍ أشدّ دقةً ورصانةً لمفهومٍ مرَضيّ هو الآخر وأعني به «الإرهاب». إذ المرض بوصف فوكو «ليس سوى تجميع للأعراض». (ولادة العيادة-ص:138).
لقد ظلّت الكُراسات والأفكار والحمولات التحليلية تجتهدُ من أجل تنفيذ حصاريْن أساسيين؛ أولهما: الحصار في الواقع عبر الضرب الأمني ووضع سياساتٍ تربويّة حاذقة لصياغة استراتيجيةٍ نحو مجتمعٍ رشيد، ويندغم من استراتيجيا الأمن الموضوع التعلمي والتربوي، وقد تفوّقت حكومات عديدة من أجل تطوير هذا المعنى والوصول إلى الهدف الأساسي وهو نبذ الإرهاب، لكن الأحداث تثبت أن للإرهاب حيله وطرقه ومخاتلاته. ثانيهما وهو الأكثر وعورةً وهو البحث عن «الجذر» للإرهاب. هناك اختلافٌ في ادعاء القبض على جذره على سبيل المثال وهو خلافٌ محتدم بين بعض المتخصصين التقليديين المُرشدين، وبين الأكاديميين والفلاسفة والمفكّرين، ثم ينقسم الفلاسفة أنفسهم بيْن التفاسير الجزئية الأخرى التي تتعلق بالجغرافيا والتاريخ وليس انتهاءً بالقناعات والتفسيرات.
غير أن وضع «معيار» لضبط الإنسان الإرهابي وغيره العادي المنضوي ضمن مجتمعه وقانونه ودولته لم يحسم بعد، وهذا مؤشرٌ خطير على مستوى «الهشاشة النظريّة» التي تورّط بها من يُنتظر منهم مقاربات أكثر دقةً وفعاليةً لئلا تبقى الظاهرة منفلتةً تهدد المجتمع وتجدد من طرقها في سبيل التحايل على المجال العام.
الخلاصة؛ أن الإرهاب، أما وقد تفوقت العديد من الدول في ضربه أمنياً وحصاره تربوياً وإرشادياً، فإن الكرة الآن بملعب الباحثين... أن يحاصروا الإرهاب نظرياً فمن دون هذا الطوْر من الجرأة فإن الإرهابي سيعاود ويكرر جرمه كلما وجد فرصته مواتية. فالإرهابي طوال الوقت يخطط لإيجاد درْب لتنفيذ الجريمة، وحين لا تكون ضربتنا الفكرية للإرهاب عنيفة وشاملة وساحقة، فإنهم بكل عدوانهم سوف يختالون بأنصاف العمليّات الناجحة لديهم معتبرين أن الدروب كلها ساحات متاحة لاستهداف البشر.
