د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

ما قبل إنزال الستار عن الحرب؟

استمع إلى المقالة

حان الوقت الآن لمشاهدة ما يجري في العالم والشرق الأوسط بمنطق، حيث تكثر مشاهد المسرحيات الكبرى والأفلام السينمائية الاستثنائية التي تستمر لساعات، وحتى الأوبرات الكلاسيكية المعقدة الموسيقى والحكاية. الأمر لا يخلو أبداً من مشاهد جانبية مثيرة وتصلح لعمل فني وحدها عندما ينجح مساعد طيار عُماني في الوصول إلى قيادة طائرة «فلاي دبي» لكي يطعن الطيار الهندي وتندفع الطائرة أخذاً بالجاذبية الطبيعية في اتجاه الأرض لكي ينفرج الباب ويتدخل اثنان من الطيارين لكي ينقذا 176 راكباً، فهو من مسودات الخيال. غير ذلك يحدث في التوافق العجيب بين الولايات المتحدة وإيران في تحديد موعد جولة الحرب المقبلة التي يتفق الطرفان على أنها ستكون الحاسمة، وتقوم الحرب عندما تنتهي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي. هذه حقيقة غير مسبوقة في تاريخ الحروب والكوارث؛ أو هكذا توافق الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. الولايات المتحدة أعلنت عن زيادة حشدها بجيش جديد مكون من حاملة طائرات تضاف إلى اثنتين أخريين، ومعها كل المكملات الغذائية بنيران المدمرات والفرقاطات؛ وخمسون ألف جندي إضافي. طهران أعلنت أنها على استعداد لحرب طويلة المدى، كما لو كانت هذه الحرب قصيرة التيلة؛ ولكن تطبيقاتها كانت مروعة عندما نجح «الحوثيون» في الاقتراب من مضيق باب المندب مع بدء هجمات منظمة على المملكة العربية السعودية تستهدف النفط ومعها الاقتصاد العالمي، حيث التضخم وزيادة الأسعار حتى بدأ الهجوم المضاد من الحكومة الشرعية والمملكة.

في الأعمال الفنية الدرامية، فإن الخطوط الأساسية لا تختفي؛ وفي هذه الحرب التي طالت أكثر كثيراً مما أعلنها الرئيس ترمب عن أربعة إلى ستة أسابيع؛ وها نحن ننتظرها لشهور وأسابيع مقبلة، وها هي حرب غزة وحرب أوكرانيا فإنهما تستمران لسنوات إضافية؟! ولكن أعمال الحروب الفنية لا تكتفي بقصة واحدة أو مسار واحد وإنما تضيف إليها قصصاً تصلح لأعمال مثيرة قادمة. أربع دول عربية تعض بالنواجذ على هدف بناء الدولة الوطنية: العراق وسوريا ولبنان واليمن. هذه الدول دخلت تجارب دموية ومريرة للبحث عن دولة وطنية من خلال التكيف مع آيديولوجية «قومية» تارة تستعين بالعروبة أو بالإسلام أو بالدولية الماركسية، فإذا بها تغرق في طائفية حارة. جميعها مر بحروب داخلية وخارجية، ومعاداة للنشأة الأولى في القرن العشرين وما جرى فيها من تقسيمات استعمارية؛ حتى أصبحت التجربة مملوءة بأشواك الاستقطاب الدولي والإقليمي. ما يحدث لهذه الدول الآن هو محاولة للتخلص والتطهر من تاريخ قريب لم يعرف للتاريخ قيمة؛ وعنوان المرحلة هو بناء الدولة الوطنية التي لا تقوم دونما حصول السلطة السياسية على الاحتكار الشرعي للقوة المسلحة.

الطريق ليس بعصي على النجاح؛ وسواء كانت القيادة في يد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أو رئيس الدولة أحمد الشرع أو الرئيس جوزيف عون أو رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي، فإن ما يجعلهم يمرون في المرحلة نفسها هو أن طريق الخلاص يأتي من استعادة الهوية الوطنية والتي مع منع ازدواجية حمل السلاح تبدأ مشروعاً وطنياً للتنمية والتقدم واللحاق بالعالم المعاصر. الرؤساء الأربعة خلقوا تياراً سياسياً عربياً يبني على التطورات الكبرى التي جرت في البيئة العربية الراهنة والتي دخلت فيها المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية إلى دائرة الدول الوطنية في مصر والأردن والمغرب وتونس؛ في حين تبقى دول لا تزال غارقة وفاقدة للاستقرار في السودان والصومال وليبيا وفلسطين أيضاً. المشاهد هنا تأخذ مسار التعقد الشديد والسريع حيث لكل ساحة حالتها، وضمن بريق الأمل فإن المنطقة تنتج رؤى مختلفة وتحالفات مثيرة. وأكثرها هي تلك التي يأتي منها الأسى والتعاسة حينما تبدو القضية «المركزية» الفلسطينية في حالة من الانشطار الذي يصل إلى من يريدون تأجيل الانتخابات المقبلة؛ وهي التي تكاد تكون الفرصة الأخيرة لترجمة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية وتحولها واقعاً بعد أن استمر نوعاً من الأماني الطيبة.

تحديد موعد الحرب ربما لا يشير إلى نهايتها، ليس فقط بسبب تفرعاتها الكثيرة بين المضيقين «هرمز» و«باب المندب» أو بين الخليج العربي والبحر الأحمر مع احتمالات تفرعها إلى القرن الأفريقي وبحر العرب والبحر المتوسط؛ وإنما لأن الحروب لا تجري فقط بين دول وجماعات إنسانية؛ وإنما عندما تركز الكاميرات على واقع كله نار ولهب، فإن الحقيقة تبدو مفزعة وجوهرها خلق الظروف المواتية لحروب أخرى. هي لحظات حرجة عاشتها أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية؛ وعاشها العالم بأشكال أخرى خلال الحرب الباردة، والآن بعد العولمة التعيسة فإن العالم والمنطقة سوف يعطيان عالم السينما والمسرح ما يكفي من تراجيديات.