بمقتضى المراسيم الرئاسية التي تقرّرت في أمر الانتخابات الفلسطينية، فقد جرى تأجيلُها مرتين، الأولى في مايو (أيار) من عام 2021، وقبل أيام قليلةٍ من الذهاب إلى الصناديق، والثانية في أكتوبر (تشرين الأول) 2026.
التأجيل الأول تمّ بذريعة عدم موافقة إسرائيل على إجرائها في القدس، مثلما كان الأمر عليه في انتخابات عام 2006، والتأجيل الثاني تمّ وفقَ المرسوم، وحجته المعوّقات الإسرائيلية.
غير أنَّ التأجيل عملياً لم يحدث مرتين فقط، بل حدث أكثر من ذلك، حين مرّت عشرون سنة على آخر انتخابات تشريعية ولم تُجرَ، مع أنَّ الظروف كانت مواتيةً، فلم تكن غزةُ مدمرة، ولا الضفة تحت احتلالٍ مضاعف، كما هي الحال الآن.
تأجيل الانتخابات رسمياً وبمراسيم لمرتين، والامتناع عن جعلها دورية ومنتظمة طيلة عشرين سنة، أدَّيا إلى تآكل فادحٍ في الشرعية الفلسطينية، وجمودٍ قيادي وتمثيلي، إضافةً إلى تلاشي صدقية الطبقة السياسية الفلسطينية بشقيّها الموالي والمعارض.
يسود في الشارع الفلسطيني تساؤلٌ ينطوي على مرارةٍ، يقول: حين تعرّضت غزة للتدمير الشامل، وتعرّضت الضفة لاحتلالٍ مضاعف، لم تتحد الفصائل الفلسطينية، وظلّ الانقسام قائماً، ولكنَّها اتَّحدت على تأجيل الانتخابات حين بدت خطرةً على وجودها، وهذا يعني أنَّ المصالح الفصائلية الضيقة تقدّمت على المصالح الوطنية، وهذا ما سيزيد من تآكل الشرعية وانعدام المصداقية.
تحمّست الجماهير الفلسطينية للانتخابات العامة، وقامت بتجديد سجلّها الانتخابي بنسبة تسعين في المائة، وذلك باعتبار الانتخابات العامة أداةً نضاليةً قوية، ليس فقط في مواجهة الاحتلال وبرامجه الاستيطانية والإلحاقية، بل في استعادة وحدة جناحي الوطن، عبر برلمان منتخب يضم جميع قوى المجتمع الفلسطيني وشرائحه.
استبدال توافقات الفصائل وتفاهماتها بالانتخابات التشريعية والرئاسية، وجّه رسالة بالغة السلبية للعالم، الذي اعتبر الانتخابات التشريعية خطوةً أساسيةً نحو تجديد السلطة، فيما تأجيلها شكَّل انتكاسةً لعملية الإصلاح الشامل التي بدأت السلطة بها، وكانت الانتخابات التشريعية والرئاسية، بمثابة التتويج الديمقراطي الأهم فيها.
بميزان السلب والإيجاب، فإنَّ ما كان وصفةً ناجعةً لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، من خلال الإجماع على الانتخابات، أنتج بفعل التأجيل انقساماً إضافيّاً فصائلياً وشعبياً؛ إذ جعل الانتخابات العامة -بعد أن كانت في وعي الجمهور وتطلُّعاته حلّاً لمعضلاتٍ أساسية، منها إنهاء الانقسام- معضلةً في حدِّ ذاتها.
حين نتوقف مليّاً عند المعوّقات التي استعانت بها السلطة للتأجيل، وربطها إجراء الانتخابات بزوالها، فإنَّ سنةً لا تكفي، حتى لو غاب نتنياهو وسموتريتش وبن غفير وكاتس عن المشهد الإسرائيلي بعد الانتخابات الوشيكة، إذ لا ضماناتٍ بأنَّ الحكومة الجديدة ستجعل الانتخابات في غزة، المدمرة والمحتلة، ممكنة، وفي الضفة والقدس ميسّرةً كما كانت في المرات السابقة.
لقد تسرّعت السلطةُ والفصائلُ في الإقدام على خطوة التأجيل، واستبدال حوارٍ شاملٍ تؤدّيه القوى نفسها التي تحاورت عشرين سنةً دون طائل بالانتخابات. كان يتعيَّن على السلطة والفصائل مواصلة العمل لإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، وحال مارست إسرائيل إعاقاتها في غزة والضفة والقدس، وهي ستفعل ذلك حتماً، فلتتحمل هي المسؤولية عن منع الفلسطينيين من ممارسة حقهم البديهي في انتخاب ممثليهم، عبر أرقى الوسائل الديمقراطية، وفي هذه الحالة تكون إسرائيل التي أعاقت الانتخابات هي المُدانة.
