فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

السياسة والرياضة... آثار التطوّر التقني

من الضروري إدراك المعاني التي تزحزح صلاحيتها التطوّرات التقنيّة والتفوق العلمي، إذ ثمة مفاهيم تفتّتت، وأخرى تحوّرت، وثالثة تأقلمت. وما كان ذلك مقتصراً على التقنيّات الطبيّة والعسكريّة والفضائية وسواها، وإنما تهمّنا هنا في هذه المساحة محاولة فهم تفوّق التقنية وعلاقتها بالإنسان في يوميّاته وهواياته.

وعلى الرغم من الاحتدام بين مجموعة من قوى التسلية الجاذبة للإنسان في مجالات السياحة والسفر والفنون والآداب، فإن المعركة الطاحنة فُرزت، فالتنافسيّة الآن بين المجالَيْن الأكثر شعبيةً لدى البشريّة اليوم، وهما السياسة والرياضة.

لقد تمكّنت الإمبراطوريات الإخبارية إقليمياً وعالميّاً من تحويل السياسة إلى مادة جاذبة وممتعة ومُنتظرة.

لم يعد الخبر بحد ذاته هو بيت القصيد كما كان عليه الحال من قبل. بل نعثر الآن على تصاميم مدهشة بتفوّقها، الأمر الذي خفّف من حدة الخبر السياسي، وغيّر من العلاقة بين الخبر والمتلقي. على سبيل المثال فيلسوف مثل جاك دريدا كان معجباً بصورة حوادث ارتطام الطائرات على المباني، بل إن أدونيس يروي عن فنان إيطالي وصفه الفنّي لانهيار المباني في أحد الحوادث. مع أن التقنيات كانت في بواكيرها آنذاك، فماذا نقول اليوم بطريقة الرحيل بالمشاهد من أريكته إلى موقع الحادثة عبر صورةٍ سينمائية يتحوّل معها الخبر إلى مشهد «بيْن بيْن»؟! حيث يتم تسييل الخبر بصرياً ومن ثم تقديمه بطريقةٍ سينمائيّة قد يعتبرها البعض حتى مسليّة بل ممتعة.

من هنا تأتي العبقرية التقنية؛ حتى لكأن الوسيط البصري خفّف من التكلفة الأخلاقية لتحمّل تفسير لأي طامّةٍ بل الذهاب بها نحو الانشداه البصريّ المحض والانهمام بالطريقة بعيداً عن الدرس الأخلاقي.

على هذا الخطّ يأتي المجال الرياضي المنافس الأبرز للمتعة البصريّة السياسيّة، خصوصاً أنه أقدر على اختراق الأعمار.

في السابق كانت نتيجة المباراة هي الأهم. الآن تحوّل النقل الرياضي إلى صيغة وجود بشري، فلمعان الشاشات في المدينة يعبّر عن جودة حياة قصوى.

ليس شرطاً أن كل من يحيط بالشاشة متابع للمباراة، فقد يكون من «المشاهدين» لا «المتابعين» بمعنى وضعها ضمن حالٍ من وقت التسلّي.

إن تفوّق التكنولوجيا في المجال الرياضي بكل الألعاب مكّن الأفراد من صناعةِ قنواتهم الفردية، هناك الآن ما يُعرف بـ«التيكتوكر الرياضي»، وهم مجموعة من صانعي المحتوى المتنافسين على امتداد العالم، يبدعون وبقوة في التقاط زوايا من الرياضات بطرق مبتكرة.

لنعد إلى الوراء قليلاً؛ ففي العقد الأخير من القرن العشرين انشغل عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (ت:2002) بالرمز البصريّ مع تطوّر التلفزيون. لقد انبهر بهذا الجهاز، وأقلقه الموضوع، كما هو حالنا الآن مع الذكاء الاصطناعي. حينها قرر أن يخصص مساحات تحليلية لمحاولة فهم هذا «الغول» الجديد. ومن الطريف أنه كتب في عام 1997 حول «تحليل الألعاب الأولمبية»، ومن نصّه يتّضح القلق، إذ سأل: «ما الذي ننتظره على وجه التحديد عندما نتحدث عن الألعاب الأولمبية؟! المرجع الظاهري هو التظاهرة الفعليّة، أي عرض رياضي تماماً. مواجهات بين اللاعبين الذين حضروا من جميع أرجاء العالم ويسيرون في طابور العرض من تحت رمز الأفكار العالميّة... المرجع الخفي هو مجمل تعبيرات هذا العرض الذي تنقله وتبثه القنوات التلفزيونية. هدف خفيّ غير مرئي بشكل مزدوج، فقد لا يراه أحد في كليته، إنه غير موجود، لا يُرى إن لم يره أحد. يمكن لكل مشاهد للتلفزيون أن يتملكه وهمٌ بأنه يشاهد العرض الأولمبي على حقيقته». الحلّ بالنسبة إلى بورديو لفهم عمليّة التحويل الرمزي هذه يتمثل في وجوب: «تحليل البناء الاجتماعي للعرض الأولمبي... يجب تحليل عمليّة إنتاج الصورة بصفتها حاملاً وسيطاً لمقاطع إعلانيّة، تتحوّل إلى منتجاتٍ تجارية تخضع لمنطق السوق».

الخلاصة؛ أن التنافس المحتدم والخلّاق بين الرياضة والسياسة هو من صالح الإنسان، وبطريقةٍ ما يعبّر عن اتساع الأفكار التي وضعها التكنولوجي العبقري، فهو سبب تغيير نمط التلقّي التقليدي للخبر، كذلك الأمر فيما يتعلق بالمنافسات الرياضية؛ إذ تحوّلت من مجرّد حصّة وقت محددة يُعلن على أثرها إعلان المنتصر إلى محتوى ترفيهي قد تتفوّق فيه بطولةٌ رياضيّة على فيلمٍ أو مسلسل كلّف المئات من الملايين.