د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

موت الصفحة الأولى

استمع إلى المقالة

كنت أنتظر صدور الصفحة الأولى من صحيفة «القبس» الكويتية العريقة بفارغ الصبر، لأطمئن إلى حجم الخبر ومكانه. فمن كان يحظى بشبر فيها يُعد محظوظاً، فليس كل ما يُنشر يجد طريقه إلى أكثر الصفحات الأولى رزانة ومهنية.

كانت «القبس» تزخر بنجوم شارع الصحافة في الكويت، لذلك يعد الفوز بمكان في صفحتها الأولى أشبه بشهادة مهنية صغيرة يعتز بها الصحافي.

اليوم تكاد هذه الفكرة نفسها تتلاشى، فقد كشف «تقرير الأخبار الرقمية» لعام 2026 لمعهد «رويترز» أن منصات التواصل وشبكات الفيديو أصبحت للمرة الأولى عالمياً أكثر استخداماً كمصدر للأخبار من التلفزيون ومن المواقع الإخبارية وتطبيقاتها. لم تعد هناك صفحة أولى واحدة يراها الجميع، صار لكل منا تقريباً صفحته التي تصنعها الخوارزمية.

كان المحرر يسأل ما أهم خبر اليوم؟ أما الخوارزمية فتسأل: ما الخبر الذي يُرجح أن يضغط عليه هذا الشخص الآن؟

والتحول الأعمق جاءنا من الذكاء الاصطناعي، فدراسة أخرى لمعهد «رويترز» توقعت فيها قيادات إعلامية حول العالم أن تنخفض زيارات الناس من محركات البحث بنسبة 43 في المائة خلال ثلاث سنوات، بعدما تراجع فعلياً البحث عبر «غوغل» بنحو الثلث بعيد ظهور الذكاء الاصطناعي. كنا نسأل «غوغل» فيدلنا على الصحيفة، الآن صرنا نسأله السؤال نفسه فيقرأها نيابة عنا ليقدم لنا الخلاصة.

المفارقة أن التقرير يشير إلى تقديرات تتوقع أن يصبح عدد الروبوتات التي تقرأ مواقع الناشرين أكبر من البشر مع انتشار حمى «الوكلاء الرقميين» الذين يجمعون الأخبار، ويصنعون لكل منا موجزاً خاصاً به.

السؤال هو هل تموت الصحافة؟ لا أظن. ولا يتوقع التقرير ذلك، بل إن الناشرين صاروا يعيدون الرهان على أن هناك ما يصعب على الآلات نسخه، وهي التغطية الميدانية، والتحليل، والقصة الإنسانية. من هنا تكتسب زيارة رئيس تحرير «رويترز» أهميتها في «منتدى الإعلام العربي» اليوم، حيث يناقش متغيرات المشهد الإعلامي.

حتى صورة الصحافي تغيرت. ذلك أن 76 في المائة من الناشرين يريدون من صحافييهم أن يتصرفوا مثل صنّاع المحتوى، ونصفهم يخطط للشراكة معهم. وبدأت «نيويورك تايمز» و«الإيكونومست» إبراز وجوه صحافييها بصورة أكبر. وذلك يذكرني بمفارقة تحفّظ إدارة التحرير في «القبس» على ظهور صورة المحرر إلى جوار ضيفه! (في حقبة التسعينات وبداية الألفين).

انقلبت الموازين في الصحافة عموماً، ماتت الصفحة الأولى، لكن المحرر لم يمت. كنا نكتب للإنسان، ثم تعلمنا كيف نكتب لمحرك البحث كي نظهر في صفحته الأولى. والآن بدأنا نكتب للآلة التي قد تقرأ الخبر قبل الإنسان لتضعه على طاولته أو شاشته الصغيرة.