تأجلت الجولة الثامنة من المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية إلى الشهر المقبل، ويرجح أن يكون هناك تأجيل آخر إلى ما بعد انتخابات الكنيست والانتخابات الأميركية. وتأجل تالياً بتّ مَن هي الجهة الثالثة، التي سيناط بها التحقق من إنهاء السلاح اللاشرعي في المناطق التجريبية، ويشمل ذلك تفكيك البنى التحتية لـ«حزب الله» والحؤول دون عودة هذه الميليشيا. وبوسع نتنياهو الاستثمار الانتخابي في احتلال تلة علي الطاهر وتفجير أنفاق ما عدَّه «أكبر قاعدة إيرانية خارج إيران»، كانت قد وصفت بأنها «خط أحمر» إيراني!
ورغم ما يتردد عن قيود وضوابط أميركية، لإبقاء التعديات الإسرائيلية «ضمن حدود معينة»، فإن الباب لم يُقفل أمام احتمال توغلات جديدة لجيش الاحتلال نحو إقليم التفاح وجبل الريحان وتلال سجد ومليتا، ارتباطاً بحسابات المعركة الانتخابية للكنيست. لماذا؟ لأنه في إسرائيل تقدم الاهتمام بملفات تقصير نتنياهو في هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على الانتصارات على الجبهة اللبنانية. وهنا متوفرة كل الذرائع لتمدد الاحتلال المباشر، واتساع السيطرة بالنار: لا يريد نتنياهو أن تفتح صناديق الاقتراع وهو يُسأل عن إخفاقاته وإخفائه معلومات ثمينة عن القيادة العسكرية، هذا أولاً. وثانياً، ارتباطاً بعدم حدوث تقدم لبناني في نزع سلاح «حزب الله» من كل لبنان، شرطاً لأي انسحاب.
لقد أرسى «الاتفاق الإطاري» الثلاثي، معادلة «الأرض مقابل السلاح». واتفاق وقف الحرب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أكد في مقدمته على نزع كاملٍ للسلاح اللاشرعي، ودعت المادة الرابعة منه إلى تفكيك البنى التحتية الموازية: عسكرية وأمنية ومالية. وللتذكير، كان رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري المفاوض بشأنه، ووافق عليه أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم بالصورة والصوت، قبل وصول المفاوض الأميركي آموس هوكشتاين إلى إسرائيل للقاء نتنياهو. وعلى هذه الأجندة وصلت إلى سدة المسؤولية السلطة الجديدة في لبنان. وكانت المنطقة، وفق توصيف الأستاذ عبد الرحمن الراشد «تمر بمرحلة اضطراب كبير... فإسقاط نظام الأسد في سوريا تجاوزت آثاره حدودها، حيث أدى إلى إضعاف (حزب الله) في لبنان، وتفكيك جزءٍ من شبكة السلاح والمخدرات والإرهاب الإقليمية».
طبعاً، لا يستطيع «حزب الله» إجراء أي مراجعة رغم الكوارث التي لحقت به، قيادة وكوادر وبيئة؛ لأنه لا يملك قراره. ففي كتاب «النهج والتجربة» لأمينه العام القول الفصل: «نحن لا نتخذ قرار الحرب والسلم بأنفسنا، بل نعود فيه إلى الولي الفقيه الذي يحدد متى تكون المواجهة واجباً شرعياً»، أي أن كل حروب «الحزب» في لبنان وسوريا واليمن اندرجت في سياق «واجب شرعي» لا ردّ له بالنسبة لهذا التنظيم!
إن السؤال المطروح على السلطة الرسمية وهي وجهاً لوجه أمام أخطر سيناريو كارثي: هل هناك ما هو أكثر رعباً من جثوم الاحتلال فوق مساحة تعادل 15 في المائة من مساحة لبنان؟ وهل هناك مضاضة أشد من وجود مليون مُهجَّر اقتلعوا قسراً يحتفظون بمفاتيح بيوت لم تعد موجودة في قرى تم تجريف كل معالمها؟ وإلى متى تستمر السياسات الرمادية التي تتبنى أحياناً ترهات قوة خارجة عن القانون، في حين تفرض إسرائيل أخطر واقعٍ احتلالي، يتتالى معه سقوط مذل للمواقع، ولتلك الأنفاق التي حملت شعار «جبالنا خزائننا» فأنفقت مليارات الدولارات لإنشائها، ولم يُنفق فلس لإقامة ملجئ يحمي ولو أسرة من موت زؤام!
كان التحدي أمام السلطة وما زال، تنفيذ قرارات شجاعة اتخذها مجلس الوزراء بنزع السلاح ما من شأنه: حماية الأرواح وحفظ الكرامات وإنقاذ ما تبقى. فيُلجم تقدم الاحتلال ويُحاصر بتنفيذ «الاتفاق الإطاري»، الذي رغم ثغراته، كنتيجة حتمية لحجم الهزيمة المروعة، تضمن صيغة انسحاب من كل الجنوب المحتل، تؤكدها قبول إسرائيل بـ«إعادة الانتشار إلى خارج الأراضي اللبنانية»، ربطاً بنزع السلاح ومتمماته. وبوضوح، فإن إسقاط تلة علي الطاهر، وتدمير أنفاق «عماد 4»، فتح الباب نهائياً أمام خطوات نزع السلاح من شمال الليطاني، أي كل لبنان.
جيد بدء نشر الجيش في مدينة النبطية وبلدات غير خاضعة للاحتلال. وزيارة الرئيس عون للنبطية أكدت اعتزام حضور السلطة للمرة الأولى بعد 26 عاماً على الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، الذي تلاه تحويل الجنوب كانتوناً مذهبياً مقفلاً بوجه السلطة، ممنوعاً على المعارضين الذين تعرضوا للترهيب فالتهجير وإلاّ القتل بدم بارد. لذا؛ بدء الانتشار العسكري وحضور السلطة جيد، لكنه غير كافٍ. إن المطلوب خطوات عملانية تعوض بعض ما فات لمعالجة أسباب ما آل إليه الوضع لجهة استدراج الاحتلال، ولجهة استمرار جماعة مسلحة خارجة عن القانون ومحظورة ما زالت تتحكم، مع العدو الإسرائيلي، بقرار الحرب والسلم.
خسر «حزب الله» حربي «الإسناد»، وافتضحت ترهات القوة، وتسبب بدمار الجنوب، بعدما غدر ببيئته، وأنزل نكبة تاريخية بالبيئة الجنوبية التي انتقلت جماعات لنبذه. النبطية أكبر حاضرة في جبل عامل وصور مدينة التاريخ والأرجوان، وعشرات البلدات قالت لا لهذا «الحزب» ولا لأي سلاح لا شرعي. وكل الوقائع تشي بأن مصير الأرض متلازم مع مصير هذا السلاح، ووحده لبنان لا يملك ترف الوقت، وحذار من خطر تراجع أولوية لبنان أميركياً، ارتباطاً بالتطورات المتسارعة في الخليج واليمن والبحر الأحمر!
