فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

الهواتف الذكيّة وسؤال المسافات المنهوبة

استمع إلى المقالة

يحتدم النقاش الفنّي والدنيوي في هذه الأيام خصوصاً بالتزامن مع مهرجان إمبراطورية شركة «أبل» بكل جبروتها، التي احتفلت بإطلاق منتجاتٍ تقنية جديدة تسحر الألباب.

وهي مقتنيات قد تبدو اعتيادية، أو مجرد حالاتٍ استهلاكيّة يحبّها الكبار والصغار، ويألفونها، وتعزز من حيويّة دنياهم، ومن سرعة إنجاز أعمالهم، وتقرب المسافات بينهم وبين ذويهم ومحيطهم المفضّل... لكن البعض يراها أكبر من ذلك، خصوصاً حين نتتبع أطروحات الوسطاء في عوالم الفنون والفلسفات، ومعهم جموع الأكاديميين في قاعات التنظير والنقد حيث يصعّبون السهل، وربما أعادوا ضخّ وشرح مفاهيم جريئة تتعلق بالصرعات التكنولوجية الحديثة... وكل ذلك حدث شبيهه عبر تاريخ التقنية منذ بدايات تَبَرعُم نبتها في بحر القرن الـ19، وذلك قبل أن تثمر وتتمتّع البشرية بِينْعها على النحو الذي نعيشه في هذا القرن المتخم بالدهشة البصريّة، والفتوحات التقنية، والصرعات التكنولوجية.

كثير من المفاهيم يعاد ضخّها مع تقدم وسائل التواصل، وعلى رأسها سؤال «المسافات الوجودية». هذا ما يكشف عنه، على سبيل المثال، المخرج السينمائي كريستوفر نولان، الذي يركِّز وسيلته التقنية للتواصل في الأساس على «البريد الإلكتروني المطبوع»، وتعليلُه هذا العزوف عن امتلاكه هاتفاً ذكياً مختصرٌ في قوله: «لن أسمح للعالم بمحاصرتي؛ لذا أفضّل العيش على النحو الذي كنا فيه... لذا، بالنسبة إليّ، فإنها مجرّد حياة طبيعية».

وهذا التصريح يفتح السؤال عن موضوع «المسافة» التي يَقْرِضُها الهاتف الذكي من خصوصيّة الإنسان، وهو تساؤلٌ ملحٌّ، وفي الوقت نفسه يجمع بين التلهّف الشعبي إلى إمكانيّة تطبيق مثل هذا السلوك المناوئ للهاتف الذكي، والنقاش النخبوي بشأن سؤال الاتصال والانفصال الوجودي والدنيوي.

الخلاصة؛ أن أفكار الحصار أو المسافات المسروقة التي تسببها التقنيات كلها؛ وعلى رأسها الهواتف الذكيّة والتطبيقات المصاحبة، من الطبيعي أن تثير كل هذا الجدل المصحوب بقلقٍ كبير عند جمعٍ من الوعاة والأذكياء.

إنه لمن الصعب؛ بل من المستحيل حلّ هذا الصراع أو فضّ كل إشكالاته، لكن حسبُ المتأمل أن يُمَحِّض نفسه بين فترةٍ وأخرى بجردةٍ من الأسئلة والمحاسبة بشأن ضرورة إعادة رسم المسافات بين الإنسان والآخر؛ وذلك كله بغية الدفاع عن الوقت، والوجود، والحيويّة الدنيويّة، والرفاهيّة الحياتية، والصفاء الذهني الثمين، وهذا ما يجب علينا تمثّله قدر ما نستطيع... إنه تصرّف وجودي حكيم يخفف من ديكتاتوريّة التقنية وهيمنتها المخاتلة وربما المدمّرة.