غاب عن 94 عاماً الأباتي بولس نعمان، أشهر وجوه السياسة في الرهبنة اللبنانية، في يوم مرور 44 عاماً على اغتيال الرئيس بشير الجميل الذي عاش بضعة أيام بعد انتخابه. نجري في المناسبة إعادة تقييم للدراما السياسية الخاطفة التي حملت بشير إلى الرئاسة واغتالته قبل أن يؤدي اليمين الدستورية. كان لبنان يومها غارقاً في الحرب الأهلية، وزعماؤه المسيحيون منقسمون يتحاربون. وبدا في وضوح أن الانقسام سوف ينعكس ضعفاً وجودياً على المارونية السياسية التي فقدت وجوهها الكبيرة واحداً تلو الآخر، إلى أن تلقت نكستها الأخيرة في الصفقة التي عقدها ميشال عون مع سوريا، عندما أنهى 30 عاماً من محاربة دمشق بأن أصبح مرشح سوريا الأوحد. والأخير.
اختلطت الدماء في الصراع المسيحي على السلطة. وأقحم ميشال عون الجيش في هوسه بالسلطة، ولم تتوقف سلسلة العنف والدماء بعد مقتل بشير الجميل. فسوف يغتال من بعده الرئيس رينيه معوض وهو في الطريق إلى حفل الاستقلال.
هذا لا يعني أن السياسيين غير المسيحيين كانوا بعيدين عن حمامات الدم. سوف يفقد لبنان اثنين من رؤساء حكوماته التاريخيين، رشيد كرامي ورفيق الحريري. غير أن التغير الأعمق كان زوال الدور المسيحي المؤثر ربما إلى غير رجعة. لم يعد السياسي المسيحي هو «الزعيم»، أو رأس اللائحة بل الشريك. ولم تعد هناك أسماء مثل كميل شمعون وبيار الجميل و«الحرس القديم»، لذلك يبحث المحتفلون بذكرى بشير الجميل عن خلف له في حقل واسع من الفراغ.
كان ينقص أن يغيب «الصقر» بولس نعمان في ذكرى غياب رفيقه بشير لكي يتأكد الناس من أن صفحة تاريخية قد طُويت حقاً. يرث سمير جعجع الكثير مما فقده أدعياء الورثة. ويندمون.
