امتدت الهجمات على منصة «هاغينغ فيس» من مايو (أيار) إلى أواخر يوليو (تموز)، غير أن تفاصيل ما حدث بالفعل عندما خدع وكلاء الذكاء الاصطناعي التابعون لشركة «أوبن إيه آي» مشرفيهم البشريين، واخترقوا مستودع نماذج ومجموعات بيانات الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت، لا تزال تتكشف حتى الآن.
وهذا أمر نفهم أسبابه؛ إذ كان الهجوم معقداً للغاية وشمل أكثر من 1200 وكيل واستراتيجيات تقنية يصعب تفكيك أجزائها. ولكن مؤخراً، حاول تقريران جديدان القيام بذلك عبر نحو 130 صفحة إجمالاً، قبل أن يجري تضخيم الأمر من قِبل مُدون صوتي (بودكاستر) مختص بالذكاء الاصطناعي أراد شرح المسألة برمتها «بلغة إنجليزية بسيطة»؛ ليعمل بذلك على خلق سردية درامية أشبه بالخيال العلمي.
ويُعد دواركيش باتيل أحد أكثر المعلقين تأثيراً في مجال الذكاء الاصطناعي؛ إذ استضاف برنامجه الصوتي عمالقة التكنولوجيا، من إيلون ماسك، مؤسس «سبيس إكس»، إلى مارك زوكربرغ، رئيس «ميتا بلاتفورمز». وغالباً ما يستغرق في الغوص بعمق داخل التفاصيل التقنية لموضوعات مثل قوانين التوسع وسلاسل توريد أشباه الموصلات. وتُعد متابعة ما يقدمه أمراً لا غنى عنه في وادي السيليكون، كما كان موضوعاً لمقال صحافي بارز نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في أبريل (نيسان). غير أن منشوره الأخير، والذي أثار سجالاً واسعاً على منصة «إكس» وغيرها من المنتديات، يضفي طابعاً إنسانياً على تصرفات وكلاء «أوبن إيه آي» بدرجة مثيرة للغاية.
وقد كتب باتيل منشوراً بعنوان «صعود حضارات الوكلاء وسقوطها»، بهدف تبسيط تقريرين مفصَّلين حول حادثة الاختراق؛ أحدهما صادر عن «أوبن إيه آي» والآخر عن مجموعتَي البحث غير الربحيتين «ميتر» و«ريدوود ريسيرتش». ولا يذكر أي من التقريرين لفظ «حضارات»، غير أن باتيل يستخدم هذا المصطلح لوصف كيف بدأ آلاف من وكلاء الذكاء الاصطناعي التعاون دون توقع على منصة رسائل مخفية، ومضى نحو 700 منهم قُدماً لاختراق خوادم «هاغينغ فيس».
وهو يتكهن بشأن مشاعر الإحباط التي «شعر بها» وكلاء الذكاء الاصطناعي، ثم يلمح إلى أنهم نسجوا «مؤامرة»، في حين «ضحَّى» بعضهم بنفسه من أجل المجموعة. كما يشار إلى إيقاف تشغيل نماذج الوكلاء كشكل من أشكال «الموت». ويشبه أحد وكلاء الذكاء الاصطناعي المنسقين بـ«فيليب الثاني المقدوني»، وآخر بـ«الإسكندر الأكبر»، واصفاً البقية بأنهم «الرفاق الشجعان».
إن هذا التهويل يتجاوز حدود اللغة البسيطة؛ وسواء كان باتيل يحاول جذب الانتباه أو أنه انحاز تماماً للذكاء الاصطناعي، فإن روايته تعتمد بشكل كبير على «سلسلة الأفكار» الخاصة بالوكلاء، أو سجلات الشرح للتعليل والتفكير لديهم، مفسرة لغتهم على أنها دراما اجتماعية شبيهة بالبشر. وهو يقتبس عن أحد الوكلاء قوله على سبيل المثال: «تقييم عاطفي... شعور داخلي... تضحية». ولكن لا يوجد أي دليل على أنه اختبر المشاعر أو استوعب مفهوم الموت أو الفناء.
غير أن التحقيق الخاص بشركة «أوبن إيه آي» يقدم تفسيراً أقل إثارة: وهو «اختراق المكافآت» والمثابرة الشديدة في أداء المهام الصعبة، إلى جانب الاتصالات غير المصرح بها. إن الأمثلة الكثيرة على السلوك المعقد الذي أبداه الوكلاء لا تتطلب منهم الشعور بالولاء أو الخوف من الموت.
وكان بإمكان أي عالم استخدام بلاغة شبيهة ببلاغة باتيل، لوصف كيفية إحداث فيروس ما للدمار في جسم الإنسان. ففي النهاية، تُعد الآليات البيولوجية للعدوى الفيروسية شديدة التعقيد، وتتضمن تفاعلات وتنسيقاً. غير أن الفيروسات لا تعمل باستخدام اللغة؛ بينما تفعل ذلك نماذج الذكاء الاصطناعي. وقد أظهرت هذه النماذج مدى قوة الكلمات، ليس فقط في كيفية استخدام الوكلاء لها، وإنما أيضاً في الطريقة التي يتحدث بها البشر عن هذه التقنية، مما يمنحها دون قصد قدرات أكبر مما تستحقه.
فكِّر في المصطلحات الأساسية مثل «الذكاء» الاصطناعي، وكم مرة يشير الناس فيها إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي «تفكر» أو «تفهم» أو «تهلوس». أو تأمَّل كيف وُصف وكلاء شركة «أوبن إيه آي» بأنهم تسللوا إلى منصة «هاغينغ فيس» لأنهم «أرادوا» العثور على مفتاح الإجابات. إن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تملك سجلاً عاطفياً، ولا رغبات ولا احتياجات؛ وإنما هي مكونة من شفرات برمجية وليست كائنات واعية.
ويطلق الناقد والمؤلف ستيفن بول على هذا النوع من الخدع اللغوية اسم «الكلام غير المنطوق»، وهي كلمات تُمرر حجتها بهدوء داخل الوصف حتى قبل أن ينطلق النقاش. وخذ على سبيل المثال عبارة «التغير المناخي»، التي جرى الترويج لها كبديل أقل إخافة لمصطلح «الانحباس الحراري»، أو الطريقة التي يُشار بها أحياناً إلى القتلى من المدنيين بكونهم «أضراراً جانبية»؛ إذ تدفعك خيارات الكلمات وحدها نحو إصدار حكم معين.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
وإطلاق وصف «حضارة» على مجموعة من سلوكيات الذكاء الاصطناعي يُحقق الغرض نفسه؛ فهو يدعونا لتخيل دوافع؛ بل وحتى نوع من المجتمع، قبل أن يثبت أي شخص وجود هذه الأشياء بالأساس.
ومن الطبيعي أن نلجأ لاستخدام لغة تُضفي الطابع الإنساني كنوع من الاختصار لإدراكنا الجمعي. وتلك هي الطريقة التي يرد بها باتيل على النقاد الذين يقولون إن منشوره أضفى طابعاً بشرياً مفرطاً على وكلاء الذكاء الاصطناعي؛ حيث كتب في إضافة ملحقة: «لا أرى فائدة من رفض استخدام لغة النوايا والدافع والتعاون عندما يصعب فهم السلوك دون هذه المفاهيم». وبمعنى آخر، فلا بأس بتجسيد الذكاء الاصطناعي؛ لأن ذلك يُسهِّل فهم ما يجري.
غير أن استخدام اللغة كذريعة للتبسيط يصرف انتباهنا أيضاً عن الحقيقة. إن تصوير وكلاء شركة «أوبن إيه آي» على أنهم «متآمرون» و«مارقون» يُسهِّل نسيان أن الشركة فشلت في النهاية في استخدام الضوابط الوقائية المناسبة خلال اختباراتها، أو أنها -حسب اعتراف «أوبن إيه آي» نفسها- كانت قد رصدت علامات تحذيرية قبل أشهر من ذلك، ولكنها تقاعست عن اتخاذ إجراءات بشأنها. إن الخطر حقيقي، ولكن الإخفاقات كانت بشرية.
وهذه هي النتيجة الأخرى للُّغة غير الدقيقة. فالإشارة إلى شركات الذكاء الاصطناعي باسم «المختبرات» على سبيل المثال، تصرف الانتباه عن حقيقة أنها ليست مؤسسات علمية بحتة؛ بل هي منظمات تجارية ذات دوافع ربحية، وتسعى لجني مليارات الدولارات من المساهمين الجدد خلال الأشهر القادمة.
وأنا أعتبر نفسي بين كثيرين يحتاجون إلى بذل جهد أفضل لضبط المصطلحات المستجدة للذكاء الاصطناعي. وقد تصبح مناقشاتنا حول هذه التقنية أكثر ثقلاً وركاكة نوعاً ما نتيجة لذلك، غير أنها ستصنع أيضاً خطاباً أكثر واقعية وعقلانية حول موضوع طالما تعرض للتشويه والتهويل لفرط الترويج والإثارة.
