من كل المدن التي عرفتُها، لا توجد مدينة تفوق البندقية بجمالها، وتسكب رؤيتها في النفس حزناً عميقاً على كل هذا الجمال الموعود بزوال لا يقوى أحد سوى على تأجيله.
المليحة بين المدن الجميلة تتهادى معلّقة بين الواقع والحلم؛ قصيدة في ثوب مدينة طرّزته أنامل الماء والضوء. البندقية لم تكن أبداً مجرد مدينة، بل شعور كثيف من الانبهار والانخطاف... والكآبة أمام هذا البهاء المتهالك الذي يشهد بصمت على احتضار أجمل التاريخ.
أول مَن بناها كانوا صيّادين هاربين من زحف البرابرة على الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس بعد الميلاد، وأقاموا موائلهم في البحيرة التي أصبحت في العصر الوسيط جمهورية مستقلة بالغة الثراء، وقوة بحرية تهابها الدول وتسعى للتحالف معها، واستمرت لقرون مديدة همزة الوصل التجارية بين الشرق والغرب، قبل أن تضمّها النمسا عند مغارب القرن الثامن عشر، لتعود إلى كنف مملكة إيطاليا أواسط القرن التالي.
خلال عصور الازدهار التي عرفتها البندقية، استقطبت أشهر المهندسين والخبراء الذين قرروا الحفاظ على موقعها الأساسي «معلّقة بين الماء والسماء»، وأقاموا قصورها ومبانيها وشوارعها على مائة جزيرة صغيرة فوق بحيرة مطلَّة على بحر الأدرياتيك، ورفعوها على عشرات الآلاف من الأعمدة الخشبية التي غرزوها في الطين، ويترنّح عليها اليوم مصير هذه الحاضرة التي وقع العشّاق في هواها وأغوت بسحرها وأسرارها مئات الأدباء والفنانين والشعراء.
الحروب التي دارت حولها ومرّت قربها لم تجرؤ حتى على خدش جمالها الفتّان، ربما لفرط هشاشتها ورهافة المشاعر والتنهدات التي اختزنتها ساحاتها وأقنيتها الحالمة على مرّ العصور، أو لأن مصيرها محتوم منذ وُلِدت وراحت تراكم السحر بين حناياها ويتمازج فيها البهاء بالحسرة على احتضاره. لكن الغرق الموعود ليس هو السيف الوحيد المسلّط على جيد «سيدة البحار» التي تئن منذ سنوات تحت وطأة الزحف السياحي، الذي يدفع بسكانها إلى هجرتها ويحوّل كل ما فيها إلى سلعة متداولة في سوق البيع والشراء.
أواخر القرن الفائت كان عدد سكان البندقية ينوف على مائة ألف، ثم تراجع إلى 60 ألفاً في عام 2008، ليصل اليوم إلى 47 ألفاً، أي أقلّ من عدد الأسرّة المخصصة للسياح الذي بلغ 52 ألفاً، حسب آخر الإحصاءات. هذا التضخم المخيف في عدد السياح بدأ في أعقاب جائحة «كوفيد - 19»؛ إذ ارتفع من 9 ملايين قبل ظهور الجائحة إلى 34 مليوناً في العام الماضي، علماً بأن برشلونة التي تكبر البندقية عشرة أضعاف، وتعاني هي أيضاً من زحف السياح، دخلها منهم 26 مليوناً في العام الفائت.
أسير بين سكان المدينة الأصليين، أسمع إحباطهم في حلّهم المسكون بالصخب والأرق، وفي ترحالهم الشاق كل يوم إلى العمل، أو ارتيادهم المقاهي والمطاعم التي باتوا فيها كالغرباء، وأترقّب موعد الزيارة المقبلة.
