فاز حزب «البديل» اليميني الألماني في إحدى ولايات ألمانيا الشرقية سابقاً. وقد يتولى لأول مرة السلطة في الولاية الصغيرة بعد أن هَزم في الانتخابات المحلية الحزب «الديمقراطي المسيحي» الحاكم في البلاد. كل وسائل الإعلام الألمانية، بل والبريطانية والأميركية، عدّت ذلك مصيبةً ما وقع مثلها في ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية. والطريف أنّ هذا الحزب اليميني المتطرف شديد الاعتزاز بموروثات النظام السابق بألمانيا الشيوعية في زمن الاتحاد السوفياتي. فكيف يمكن التوفيق بين الأمرين: يمين متطرف ذو تراث سوفياتي؟ وقد صوَّت له الشباب الصغار والعجائز، الذين قال كثيرٌ منهم إنهم مظلومون وتمارَسُ عليهم التفرقة من الحزبين الكبيرين: «المسيحي الديمقراطي» و«الحزب الاشتراكي».
ما علينا؛ فهذا ليس هو الموضوع الذي أريد التحدث عنه، بل الذي يستحق الحديثَ الرَّوْعُ الذي داخَلَ وسائل الإعلام الألمانية والغربية بعامة، التي قال بعضها إنّ «الحضارة»؛ نعم الحضارة، الألمانية انكسرت! فهل ألمانيا حضارة؟ وإذا كانت كذلك فهل تنكسر بخسارة انتخابات محلية؟ وهل يتعلق الأمر في حدثٍ كهذا بالحضارة أم بسياسات الحكومات، فالموجة اليمينية لا تزال تتقدم في فرنسا وفي الدول الاسكندنافية؟ والطريف مرةً ثانيةً، أو ثالثة، أن الحكومات الوسطية التي لا تزال قائمةً يشغلُها الخوف الآخَر من بوتين وروسيا الاتحادية؛ بينما يرى شباب اليمين الصاعد أن روسيا لا تستحق أن يُخافَ منها، بل إن الحكومات «البرجوازية» لا ترتاع من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقدر ما ترتاع من التخلي والانسحاب الأميركي التدريجي والميل - مثل اليمين الأوروبي – إلى مسالمة روسيا وتصور مستقبل أفضل معها.
في القرن التاسع عشر نشب صراع علمي، إذا صحَّ التعبير، بين الأنغلوساكسون والألمان بشأن ما يمكن تسميته «علماً»؛ ففي حين كان البريطانيون والأميركيون يرون أن «التجريبيات» هي التي تستحق اسم «العلم»، ولأن التاريخ والفلسفة والاجتماعيات «ليست تجريبية» فهي «ليست علوماً»؛ أصرّ الألمان على أنّ الإنسانيات، التي كانوا بارزين فيها، تستحق اسم «العلوم الإنسانية»، وإن لم تتسم بالدقة التي تتسم بها العلوم الاختبارية والتجريبية والرياضية. وفي النهاية، انتصرت مقولة «علوم الإنسان» لكن بعد أن اكتسبت كثيراً من ملامح التجريب والاختبار في إحصاءات الاجتماع والتحليل النفسي وعياداته. أما الفلسفة، فداخلت الرياضيات، في حين صمد التاريخ أو «علم التاريخ». ويذهب المؤرخ الكبير آرنولد توينبي -وكان أدنى لوجهة نظر الألمان- إلى أنّ الفيلولوجيا هي التي جعلت التاريخ علماً والتاريخانية مذهباً في البحث العلمي.
إنّ إنجازات الألمان العظيمة في العلوم الإنسانية أو علوم الإنسان أو إنسانيات الحضارة، ما استطاعت الصمود في وجه طموحات الدولة الألمانية التي خاضت حروباً عدة لتوحيد البلاد، ثم أنشبت الحربين الأولى والثانية، وهما الحربان اللتان أدخلتا أميركا إلى أوروبا ولا تزال فيها.
أوزوالد شبينغلر، المفكر الألماني صاحب كتاب «انهيار الغرب»، عدّ أن «علومَ الإنسان»، التي كشفت عن وحشيته، كانت أحد عوامل انحطاط ألمانيا، بل الغرب كله. وقد كثر استعماله مفردةَ «انكسار الحضارة»، ووجهة نظره أن العنف هو الذي يكسر الحضارة بتدميره العمران. والإنسان هو الذي يفعل ذلك من دون تردد. لكن ليس أي إنسان، بل هو إنسان الدولة. الشعب الواحد لا يصنع حضارةً مهما كان النابغون فيه كثيرين. لكن عندما تجتمع دول عدة على إنشاب الحروب؛ وإن تفاوتت المسؤوليات؛ فإنّ «الحضارة» غير العنيفة التي تجمع هؤلاء الناس الذين صاروا أُمماً ودولاً تنكسر.
لقد مرت الحضارة الغربية بأزماتٍ وحروبٍ كثيرة؛ لكن ألمانيا، التي شاركت في إنشاب معظمها، ظلت الأغزر والأعمق معرفةً بأهوالها. والفرنسيون ظلوا طويلاً معارضين إعادة توحيد ألمانيا، ومعارضين أن تمتلك جيشاً، فهم على حدودها، وأكبرهم معاناة من حروبها. وهم خائفون الآن من إعادة تسليح ألمانيا جيشَها وزيادة عدده بحجتين: الخطر الروسي، وتفكك «حلف الأطلسي» إذا أهملته أميركا أو خرجت منه.
ألمانيا وفرنسا الآن، وقد ساد فيهما التوجس ومخاوف انكسار الحضارة، هما الأكبر تهدداً من اليمين الصاعد فيهما. لكنّ الفرنسيين هم الأكثر كتابةً في العقدين الأخيرين عن انهيار الغرب وانكسار الحضارة. وبالطبع، فإنّ الذي يخطر على البال أن يسارع مسؤولو الدولتين إلى التعاون لكفّ شرور اليمين رغم خوف الفرنسيين من قوة ألمانيا المتجددة.
الفيلسوف الأميركي ألَسْدير ماكنتاير، المتوفى قبل 3 أعوام، أعاد في كتابه: «بعد الفضيلة... بحث في النظرية الأخلاقية»، اكتشاف مقولة أرسطو أن «العيش معاً» هو أكبر عوامل السِلْم بين الأُمم. وظل ماكنتاير مقتنعاً بذلك. لكنّ النظرية ما ثبتت صحتها قديماً؛ بدليل حروب اليونان وإيران، ولا حديثاً؛ بدليل الحروب بين ألمانيا وفرنسا. يقول يوهان هويزينغا، مؤرخ العصور الوسطى: «صحيح أن الأمم تبني الحضارة، لكنّ الدول تهدمها!».
والطريف أخيراً أن اليمين الأوروبي الصاعد ضدّ الحرب، ويتّهم الدول ذات النزوع الإمبراطوري بإثارتها!
