أمير طاهري
صحافي إيراني ومؤلف لـ13 كتاباً. عمل رئيساً لتحرير صحيفة «كيهان» اليومية في إيران بين أعوام 1972-1979. كتب للعديد من الصحف والمجلات الرائدة في أوروبا والولايات المتحدة، ويكتب مقالاً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» منذ عام 1987.
TT

أميركا بعد 25 عاماً من هجمات 11 سبتمبر

استمع إلى المقالة

تشهد مدينة نيويورك، هذا الصباح، من جديد طقوساً احتفالية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من جدولها السنوي منذ ربع قرن. وخلال هذه الطقوس، من المقرر تلاوة أسماء الضحايا الـ2977 من رجال ونساء وأطفال قضوا في الهجمات الإرهابية على برجَي مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بينما يتابع ملايين الأميركيين مراسم التأبين عبر شاشات التلفاز بمزيج من الحزن والغضب.

غير أن ثمة تغييراً طفيفاً، لكنه يحمل دلالات كبرى، سيطرأ هذا العام على ترتيبات الحدث السنوي، إذ تعتزم عائلات الضحايا تجنب العمدة الجديد، زهران ممداني، الذي لا يقر الرواية المتفق عليها على مستوى عموم الولايات المتحدة لما يُعدُّ أكبر هجوم إرهابي في التاريخ. بعبارة أخرى، فإن مأساة جمعت الأميركيين في البداية على غضب وحزن مشتركَين، قد تتحول الآن إلى صدع جديد على طول خطوط حزبية، على الأقل داخل نيويورك.

ومع تعمقي في التفكير بهذه المسألة، قررتُ إعادة قراءة تقرير «لجنة 11 سبتمبر»، المؤلف من 570 صفحة، وفوجئت بأن الانقسامات الحزبية حالت، حتى آنذاك، دون فهم صحيح للمأساة والدروس المستخلصة منها منذ البداية. وكانت قراءة «التقرير» أشبه بقراءة رواية فرنسية من طراز «الرواية الجديدة»؛ فالتقرير يبدأ بوعد بكشف حبكة عبقرية، ثم لا يقدم سوى أفكار مُعاد تدويرها مُزيّنة بزخرف شبه فلسفي، لتنتهي الحال بالقارئ إلى تساؤل: أين الجوهر الحقيقي؟

بداية الخطأ: فهم المهمة

ويبدأ الأمر برمته بما يبدو أنه سوء فهم لمهمة اللجنة. من جهتهم، يخبرنا أعضاء اللجنة أن نصب أعينهم ثلاثة أهداف:

- طرح «السردية الأكثر شمولاً» للأحداث. غير أن ما قدّمه التقرير كان في الواقع لا يعدو كونه تجميعاً لمقالات وكتب عديدة غطّت «الحدث» بالفعل.

- جمع أكبر عدد ممكن من الشهادات الشخصية للناجين من الهجمات وعائلات الضحايا. وهذا جهد جدير بالثناء، لكنه لا يساعد كثيراً في تحديد الآيديولوجيا والآلة، التي أفرزت القتلة في المقام الأول.

- صياغة توصيات حول السبل والوسائل الكفيلة بمنع وقوع هجمات مماثلة. كان ينبغي أن يكون هذا «جوهر» التقرير، لكنه لم يكن كذلك؛ بل كان في الحقيقة نقطة ضعفه القاتلة. أما الأسباب، فليس من الصعب تخيلها؛ فأعضاء اللجنة يتسمون بعقلية سياسية - تكنوقراطية.

إنهم في واقع الأمر نتاج ثقافة سياسية، تفترض أن لكل المشكلات حلولاً فنية وبيروقراطية. وهذه الحلول نمطية دوماً: إنشاء طبقة جديدة من البيروقراطية، وإنفاق مزيد من المال. اللافت أن اللجنة نفسها كانت نتاجاً نموذجياً لهذا التفكير.

وعليه، لم يكن مستغرباً إذن أن تخرج باقتراحَين جديدين فقط: أولهما إنشاء منصب وزاري لإدارة شؤون الاستخبارات، ليكون نظيراً لـ«المسؤول الأول» عن الأمن الداخلي القائم. والثاني اقتراح إنفاق المال على «تحسين حياة الشباب الساخط في الدول العربية وغيرها من الدول الإسلامية» ـ وأنا هنا لستُ أمزح!

أين الجوهر؟

في المقابل، لم يخصص سوى أقل من 10 في المائة من التقرير، تحديداً الفصل الثاني، للسؤال الجوهري: من كان هؤلاء الإرهابيون؟ من أين جاءوا؟ وما الذي حرّكهم؟

وأفاد التقرير: «تعرفنا إلى عدو متطور، صبور، منضبط، وفتّاك. وهذا العدو يحشد تأييداً واسعاً في العالمَين العربي والإسلامي، عبر مطالبته بتناول منصف لمظالم سياسية، لكنه يَكِنُّ لنا ولقيمنا عداءً لا حدود له».

وبصرف النظر عن الركاكة اللغوية الظاهرة - من الواضح أن أحداً أصرَّ على إضافة العبارة الأخيرة - فإن الفقرة المذكورة أعلاه تظهر كيف ضلت اللجنة الطريق؛ فالتقرير يفترض وجود عدو واحد، يمكن تحديده بسهولة. وهذه الطريقة الاعتيادية للتفكير السياسي حسبما تشكّل خلال حقبة «الحرب الباردة».

غير أن أي شخص لديه معرفة بالدول العربية، والعالم الإسلامي عموماً، يدرك أن الأمر ليس كذلك؛ فمشكلة حرب الـ25 عاماً على الإرهاب تكمن تحديداً في أن الديمقراطيات، وأولئك المسلمين الذين يتطلعون إلى الديمقراطية، يواجهون تهديداً متعدد الأوجه يتخذ أشكالاً متنوعة.

يجب خوض هذه الحرب في ساحات معارك متعددة وضد أعداء كثر؛ ورغم أن هؤلاء الأعداء متحدون في مساعيهم لتدمير المجتمعات الديمقراطية - وعلى رأسها الولايات المتحدة - فإنهم يستخدمون ترسانة أسلحة وتكتيكات مذهلة في تنوعها.

من جهتها، دشنت إدارة جورج دبليو. بوش الجانب العسكري من هذه الحرب عبر «تحرير» أفغانستان والعراق، والسعي للقضاء على الإرهابيين المتحصنين فيهما. غير أن هذه الحرب تتطلب كذلك خوض معارك في ميادين دبلوماسية وثقافية ودينية، وقبل كل ذلك، ميادين سياسية.

وفي كل تلك الميادين، كانت واشنطن بحاجة إلى حلفاء - وكان بإمكانها العثور عليهم - بمَن فيهم غالبية المسلمين، الذين كانوا الضحايا الأوائل للإرهاب. ومع ذلك، لم تقدم اللجنة أي مقترحات حول كيفية خوض المعارك في تلك الميادين، أو مَن ينبغي اختيارهم بوصفهم حلفاء، أو مَن يجب تصنيفهم بوصفهم أطرافاً محايدة أو حتى أعداء.

الحقيقة أن هذا العدو لا ينبت من العدم؛ فهو مواطن في دولة ما، ويمتلك قواعد وملاذات آمنة - ليس في الفضاء، بل في دول حقيقية - ويستفيد من مقومات النظام العالمي الحديث كافة. وكان من المستغرب أن تتجاهل «لجنة أحداث 11 سبتمبر» كل هذه الحقائق؛ فقد كشفت اللجنة عن وجود اتصالات واسعة النطاق بين تنظيم «القاعدة» و24 حكومة في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

من ناحيته، صاغ توم كين، الرئيس الجمهوري للجنة، عبارة لافتة ومميزة، بقوله: «رغم أننا أكثر أماناً اليوم، فإننا لسنا آمنين».

حسناً، كيف يمكن للمرء أن يكون «أكثر أماناً»، إذا لم يكن آمناً من الأساس؟

ما كان يعنيه كين أن الأميركيين أصبحوا أقل عرضة للخطر الآن مقارنة بما كانوا عليه عشية أحداث 11 سبتمبر.

من جهتها، طرحت اللجنة تساؤلاً حول سبب الكراهية الشديدة، التي يكنّها الإرهابيون لأميركا، لكنها لم تقدم أي إجابة.

ومع ذلك، يمكن العثور على الإجابة في مئات الكتب والمقالات وخطب الوعظ المنتشرة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها. بل إن الجزء الأكبر مما تنتجه «صناعة العداء لأميركا» العالمية يأتي - وإن بدا ذلك غريباً - من داخل الولايات المتحدة ذاتها؛ فالولايات المتحدة تُعدُّ «وحشاً شريراً» لأنها قادرة على الرد وإلحاق الألم بآخرين حين يؤلمونها.

خلاصة القول: لقد فشلت «لجنة أحداث 11 سبتمبر» في أداء مهمتها. وتكشف الحرب الثقافية المستعرة بين معسكر «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً (MAGA)»، وتحالف «الصحوة (wokeist)» - المكون من شيوعيين متخفين وليبراليين مفرطي العاطفة - أن حالة الفشل هذه مستمرة منذ ربع قرن؛ إذ تسللت نزعة «كراهية أميركا» حتى إلى مراسم إحياء ذكرى هجمات 11 سبتمبر في نيويورك.