في مثل هذا اليوم، 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وقبل ربع قرن بالتمام والكمال، عرف العالم هجمات ضد الولايات المتحدة الأميركية؛ وهو حدث فاجأ العالم وأربكه، باعتباره استهدف أقوى دولة في العالم، علاوة على هول الهجمات وفداحة خسائرها البشرية التي فاقت 2753 قتيلاً. وطبعاً، فإن مرور ربع قرن في حسابات التاريخ ليس زمناً يُذكر، ولكنه، في الوقت نفسه، فترة مهمة لتقييم حصاد العالم في الحرب ضد الإرهاب، التي جمعت غالبية العالم رغم الاختلافات في المقاربات.
الملاحظة الأولى هي أن هذه الهجمات تمثل تاريخاً مفصلياً في تاريخ العالم عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، حيث حصلت بعد حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت بقرابة عشر سنوات. وأغلب الظن أنه لولا تلك الهجمات لكان وجه العالم، اليوم، ليس كما هو حالياً، وذلك بكل المقاييس؛ والأكيد أن الوضع كان سيكون أقل توتراً وعنفاً وحروباً. فهي هجمات تاريخية؛ بمعنى أنها غيّرت السياسات الدولية، وأعادت تشكيل اللغة والمفاهيم والمواقف، وصولاً إلى الخريطة الجيوسياسية في العالم؛ أي أن التداعيات عميقة وكثيرة ولا تزال مستمرة.
اليوم، وبعد ربع قرن، يفرض السؤال نفسه: ما أوجه النجاح والإخفاق في هذه الحرب على الإرهاب؟
من المهم، قبل تحديد مظاهر النجاح والإخفاق، الإشارةُ إلى أن الحرب على الإرهاب من منظور التجربة العالمية، التي امتدت على ربع قرن، تشير إلى أن الإرهاب ظاهرة مركبة ومعقدة، والقضاء الحقيقي عليه يكون في معالجة أسبابه وقَطع دابره من الجذور.
طبعاً لا شك في أن التمكن من تصفية الرؤوس المدبرة للهجمات، سواء أسامة بن لادن في 2011 أو بعده أيمن الظواهري في 2022، وغيرهما من تنظيم «القاعدة» الذي يجيد التخفي، هو خطوة مهمة في هذه الحرب، خصوصاً أن هذا المُنجز تعاضد مع تفكيك البنية التحتية لـ«القاعدة» وتدمير معسكراته الأساسية، وشلّ قدرته على شن هجمات جديدة. أيضاً، لا يمكن إنكار نجاح الولايات المتحدة في حماية الداخل الأميركي من أي هجمات ممكنة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
كما أن العالم في هذه الحرب قام بتغيير عميق في مفهوم الأمن العالمي، وأصبحت إجراءات التفتيش والمراقبة في المطارات والمعابر الحدودية في منتهى الصرامة؛ الأمر الذي قلّص عدد حوادث الإرهاب في العالم، بعد أن عرفت في فترةٍ ما تزايداً وتواتراً في عواصم عدة أوروبية وعربية وإسلامية.
ورغم الخطوات المتحققة، التي يمكن أن نصنفها كخطوات أمنية وعسكرية بالأساس، فإننا نلاحظ أنه لا يمكننا التحدث عن تحقق الأمن المستدام في العالم؛ ذلك أنه وإن انتهت عملياً سطوة تنظيم «القاعدة»، فقد تولدت تنظيمات أكثر تطرفاً، مثل تنظيم «داعش» الذي خلّف المجازر وزرع الرعب، خصوصاً في العراق وسوريا، فضلاً عن عودة حركة «طالبان» إلى السلطة في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية منها، ما يفسر أن ما حصل هو صعود ما يسمى «الجيلين الثاني والثالث» من التنظيمات المتطرفة، التي تُصنف الأكثر وحشية ممّا سبقها.
وعموماً، لا تكمن المشكلة في حصاد الحرب على الإرهاب في حد ذاته، بقدر ما تكمن في مدى اشتغال العالم بجدية وعمق على الأسباب المنتجة للإرهاب وللأشخاص الإرهابيين. ومن المهم توضيح أن الحروب التي تُخاض ضد ظواهر مركبة هي أكثر صعوبة وتعقيداً من الحروب التقليدية بين الدول. وتتضاعف الصعوبة عندما تكون الظاهرة نتاج أسباب حضارية واقتصادية وثقافية وسياسية مجتمعة؛ الأمر الذي يجعل الحرب على الإرهاب حرباً من نوع خاص وحرباً متنوعة الاستراتيجيات والآليات.
وما يستحق الانتباه في مثل هذه المناسبة، التي تهمّ العالم كله وليس الولايات المتحدة وحدها، هو أن الجميع اكتوى من تداعيات هذه الهجمات.
إن مستقبل نجاح الحرب على الإرهاب غامض، خصوصاً عندما نربطه بتنامي العنصرية في العالم وصعود الأحزاب اليمينية، وتوظيف ظاهرة الإسلاموفوبيا كآلية لتعميق التمييز الثقافي والعِرقي والديني، كما أن الفقر والبطالة وضعف صمود دول عدة أمام تغيرات المناخ - وما تُخلفه من هشاشة اقتصادية واجتماعية - تُعد بمثابة مصانع غير مرئية لجماعات تعاني الإقصاء والتهميش والأبواب الموصودة، إضافة إلى غلق أوروبا مُدنها في وجوه المهاجرين والاكتفاء بالكفاءات التي تحتاج إليها لا غير. أي أن هناك مؤشرات دامغة على ضيق الأفق ورفض الآخر، وكل هذا يمثل تربة خصبة لتغذية الإرهاب والإرهابيين.
لذلك، فإنه في مثل هذا اليوم، قد نفكر في الحرب على الإرهاب من زاوية جديدة، قادرة على صنع الفرق والوصول إلى النجاح المستدام.
