لم يكن «نداء النبطية الثاني» مجرد نداء لإنقاذ مدينة مهددة، ولا مجرد استكمال لنداء سابق حذّر من خطر كان يقترب. ما بين النداءين، انتقل الوضع من مرحلة التحذير إلى مرحلة أصبح فيها الخطر وجودياً بالنسبة إلى مدينة النبطية، بما تمثله لا لأهلها وحدهم، بل لجبل عامل وللبيئة الشيعية الجنوبية بأكملها.
فالنبطية ليست مجرد مدينة تقع في مرمى الحرب. إنها مفصل اجتماعي وثقافي وحضاري في تاريخ جبل عامل، وحاضرة أساسية ذات موقع جغرافي واقتصادي وتعليمي، وهي اليوم، بما تمثله، محاصَرة بالخطر. ولذلك، لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري فيها بوصفه شأناً محلياً أو عسكرياً، بل بوصفه لحظة تستدعي تحذير المجتمع، وخصوصاً المجتمع الجنوبي، من معنى ما يحدث.
لكن أهمية النداء لا تُقاس بعدد الموقعين عليه، ولا بقدرته، في هذه اللحظة، على إنتاج حالة سياسية منظمة. أهميته في أنه فعل سياسي مختلف عن السائد، وفي أنه يفتح نافذة في جدار نمطية طويلة كرّسها «الثنائي الشيعي» في مقاربة المجتمعات الجنوبية، حتى بدا الجنوب أحياناً كأنه كتلة واحدة، وموقف واحد، وصوت واحد.
المجتمعات ليست كذلك. وفي لحظات الخطر والحساسية، تعيد المجتمعات بلورة نفسها، وتبدأ باستعادة قدرتها على التفكير في ذاتها، وعلى الدفاع عن مصالحها، وعلى التمييز بين ما يُقال باسمها وما تريده هي فعلاً.
من هنا، فإن «نداء النبطية الثاني» ليس تنظيماً، ولا حالة انتظام سياسي، ولا إعلاناً عن انقسام داخل البيئة الشيعية الجنوبية. إنه تعبير عن حالة تتبلور أولاً على مستوى الوعي والتفكير الجمعي، وقد تؤسس لاحقاً، إذا نضجت شروطها، لحراك سياسي اعتراضي.
وهنا تكمن دلالته الأعمق. فالحرب لم تدمر الحجر وحده. حروب الإسناد وما تلاها تركت آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة، وشتّتت العائلات، وضربت مصادر الرزق، وهددت مدناً وقرى وحواضر هي جزء من الذاكرة الجنوبية. وحين يصبح البيت مهدماً، والمدينة مهددة، والعودة نفسها غير مضمونة، يبدأ السؤال عن الحرب بالتحول إلى سؤال عن الحياة.
يمكن للجنوبي أن يبقى رافضاً للاحتلال، ومتمسكاً بحق الجنوب في الدفاع عن نفسه، ومؤيداً للمقاومة، وفي الوقت نفسه أن يسأل: مَن يقرر الحرب؟ مَن يدفع ثمنها؟ ومَن يحمي المدينة؟ ومَن يضمن أن يبقى الجنوب قابلاً للحياة؟
هنا نصل إلى تخوم الوعي الجنوبي. فالمسألة ليست انتقالاً من حزب إلى حزب، ولا انقلاباً على «الثنائي الشيعي»، بل بداية انتقال محتمل من «المقاومة أولاً» إلى «الجنوب أولاً»؛ من سؤال السلاح إلى سؤال البقاء؛ ومن سؤال: مَن يمثل الطائفة؟ إلى سؤال: مَن يمثل مصالح أهلها؟
ولهذا، تصبح عبارة «بقاء النبطية أهم من بقاء السلاح» أكثر من شعار. إنها إعادة ترتيب للعلاقة بين الوسيلة والغاية. السلاح وسيلة، أما الإنسان والمدينة والأرض والذاكرة فهي الغاية. وإذا أصبحت الوسيلة تهدد الغاية، فمن حق المجتمع أن يسأل وأن يعيد النظر.
الوعي لا يبدأ عندما تتغير المواقف، بل عندما يصبح السؤال ممكناً. لذلك، قد لا يكون «نداء النبطية الثاني» بداية حراك سياسي مكتمل، لكنه بالتأكيد يمهّد لإعادة صياغة الوعي الجمعي. فهو يقول إن الجنوب ليس كتلة صامتة، وإن الجنوبي ليس رقماً في ميزان المحاور، وإن المدن ليست مجرد مواقع في معركة. الجنوب مجتمع يريد أن يحيا، ومدن يريد أهلها أن تبقى، وذاكرة لا تريد أن تتحول إلى ركام.
ومن هنا، فإن قيمة النداء ليست فقط في إنقاذ النبطية اليوم، بل في فتح الطريق أمام سؤال أكبر: هل يستطيع الجنوب أن يستعيد حقه في تعريف مصلحته بنفسه؟
وعليه، ربما يكون «نداء النبطية الثاني» أول خطوة على هذا الطريق.
إنه يقف عند تخوم وعي جديد، لم يكتمل بعد، لكنه بدأ يتشكل.
