من أهم أسباب وصول المصريين القدماء إلى تلك الدرجة المتقدمة من الحضارة والفكر والعلم هو إيمانهم بـالـ«ماعت» والتي تعني الحق والعدل والنظام. وكان على ملك مصر أن يثبت دائماً أنه يحكم وفقاً لمبادئها. وكانت مبادئ «ماعت» من أهم الوسائل التي تساعد الإنسان للوصول إلى العالم الآخر. هنا لا بد من توضيح لقيمة الـ«ماعت» وأهميتها لدى المصريين القدماء.
كانت هناك العديدات من الإلهات المصرية القديمة، مثل الإلهة إيزيس وأختها نفتيس، والإلهة حتحور التي ارتبطت بالحب والجمال والموسيقى، والإلهة سخمت التي جمعت بين القوة والحرب والحماية. لكن ما كان يميز «ماعت» هو أنها كانت مجموعة من القيم وليست إلهة تُعبد وتُقام لها المعابد! وكان يميزها وجود ريشة النعامة فوق رأسها، وهي الريشة التي أصبحت رمزاً للحق والعدل والنظام الكوني.
ولقد اعتقد المصري القديم أن ريشة النعامة تحمل قيماً رمزية ودينية عميقة، ولم تكن مجرد أداة للزينة، بل أصبحت تجسيداً ملموساً لمفهوم «ماعت»؛ أي النظام الكوني الذي يجمع بين الحقيقة والعدل والتوازن والنظام الأخلاقي. وعندما طلبت مني فايزة أبو النجا، وزيرة التعاون الدولي الأسبق، أن نختار تمثالاً مصرياً ليتم وضعه في محكمة العدل الدولية، قلت لها إن أفضل اختيار هو تمثال الـ«ماعت»؛ لأن وجودها هناك لا يمثل فحسب رمزاً مصرياً، وإنما يظهر للعالم كله أن مصر القديمة كانت من أوائل الحضارات التي جعلت من العدل والحق أساساً للحكم والمجتمع. وقد جرى العمل على اختيار التمثال وتجهيزه وترتيب إجراءات وضعه في هذا المكان المهم، وكان الهدف أن يرى كل من يدخل محكمة العدل الدولية رمزاً مصرياً قديماً يجسد فكرة العدالة التي عرفها المصريون منذ آلاف السنين. وأستطيع أن أقول إن شخصية «ماعت» كانت ذات طبيعة فريدة في الديانة المصرية القديمة، وفي المجتمع المصري أيضاً، فقد حظيت بأهمية كبيرة، وأصبحت ركيزة أساسية من ركائز الثقافة المصرية؛ لأن مفهومها لم يكن يعني شيئاً واحداً فحسب، بل كان يشمل الحقيقة والعدالة والنظام والتوازن والاستقرار الاجتماعي والسياسي.
ولذلك كان المصري القديم يرى أن الطريق إلى الحياة الأخرى، بل إلى الخلود، يمر من خلال الالتزام بالـ«ماعت». فالإنسان الذي يعيش وفقاً للحق والعدل يستطيع أن ينجح في محاكمة العالم الآخر، وأن يصل إلى حياة أبدية بين الآلهة.
وقد ظهرت أهمية «ماعت» منذ عصور مبكرة في التاريخ المصري، وارتبط اسمها بالملوك وبفكرة الحكم الرشيد. وكان الملك يُصوَّر أحياناً وهو يقدم تمثال «ماعت» إلى الآلهة؛ في إشارة إلى التزامه بأن يحكم وفق مفاهيم الحق والعدل والنظام، وأن مهمته الأساسية على الأرض كانت هي الحفاظ على التوازن الكوني. كما حمل بعض الملوك والأفراد ألقاباً ارتبطت بـ«ماعت»، وأصبحت الكلمة نفسها جزءاً من الفكر السياسي والديني المصري، إلى درجة أن الملك لم يكن يُنظَر إليه فحسب باعتباره حاكماً، وإنما باعتباره المسؤول الأول عن إقامة الـ«ماعت»؛ أي الحفاظ على النظام والعدل ومنع الفوضى.
ومن أجمل ما يعبر عن هذه الفكرة ما ورد في تعاليم الحكماء المصريين القدماء، ومنها تعاليم الحكيم بتاح حتب، التي أكدت أهمية العدل وحسن السلوك والاستقامة، وجعلت من هذه القيم أساساً لنجاح الإنسان في حياته.
ولذلك يمكن أن نختم بالقول إن «ماعت» لم تكن مجرد إلهة في العقيدة المصرية القديمة، وإنما كانت فلسفة حياة كاملة، فقد جمعت بين الحق والعدل والنظام أساساً للتوازن الكوني، وربطت بين الإنسان والمجتمع والملك والآلهة والكون كله. وربما كان هذا هو أحد أهم أسرار استمرار الحضارة المصرية القديمة آلاف السنين؛ لأن المجتمع الذي يجعل العدل والنظام أساساً له يستطيع أن يبني حضارة عظيمة تبقى آثارها وأفكارها خالدة عبر الزمن.
