بالتأكيد يعرف مايك هاكابي، السفير الأميركي لدى إسرائيل، أن شخصاً يهودياً اسمه إيلان بابيه يقيم في بريطانيا، وأن هذا الشخص كان يعيش في الدولة العبرية إلى عام 2008، وأنه من بعدها غادرها ليقضي أيامه في المملكة المتحدة ويعمل في إحدى جامعاتها.
أقول هذا الكلام لأنك تجد نفسك من وقت لآخر، مدعواً إلى إعادة تعريف ما هو معروف بالضرورة، أو إلى توجيه النظر إلى ما هو مرئي بطبيعته. والحقيقة أنه لا ضير في هذا، لأن الكثير من الأشياء لا يستقر معناها بيننا، إلا بتكرار لا ييأس من العودة للموضوع ذاته مرة، ومرتين، وثلاثاً.
وإذا كنت قد أشرت إلى بابيه فقلت عنه إن شخصاً يعيش في بريطانيا اسمه كذا، ففيما قلته تجاوز في حق الرجل بلا شك، فهو ليس نكرة بين اليهود الذين يعيشون في بلاد الإنجليز، بحيث يُشار إليه على أنه شخص بين أشخاص، وإنما هو رجل معروف داخل بريطانيا وخارجها، وهو يوصف بأنه مؤرخ يهودي له كتاباته وأفكاره التي تميزه وتصنع اسمه بين الأسماء.
ورغم أنه جاء إلى الدنيا في حيفا، ورغم أنه بحكم ذلك يحمل الجنسية الإسرائيلية، فإنه يعتبرها مثل رداء لا بد من خلعه إذا ما جلس يتناول الشأن الفلسطيني، وإذا ما قرر أن يتطلع إلى ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فيقول فيه ما يتعين أن يقال، لا ما اعتاد الإسرائيليون أو مَنْ ينتصرون لهم أن يقولوه.
ما مناسبة هذا الكلام كله؟... مناسبته أن السفير هاكابي وصف الحكومة البريطانية بعبارة من كلمتين هما أنها: «تكره اليهود». وهي عبارة لا يصدقها الواقع ولا ينتصر لها، وإلا، لكانت هذه الحكومة نفسها قد طردت اليهود من بريطانيا ما دامت تكرههم على حد وصف السفير، ولكانت قد طردت بابيه نفسه معهم!
يحدث في مرات كثيرة أن تترامى إليك عبارة كعبارة هاكابي هذه في هجومه على الحكومة البريطانية، فتبدو العبارة وكأنها لمبة أضاءت فجأة وسط ظلام كثيف فبددته، وكشفت للناس في المكان ما كان الظلام الكثيف يستره ويخفيه.
إن انحياز السفير الأميركي في تل أبيب إلى كل ما هو إسرائيلي ليس سراً من الأسرار، وهو في انحيازه يذهب في مرات إلى حد المزايدة على مواقف حكومته نفسها، ولا ينافسه في ذلك إلا ديفيد فريدمان، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، الذي لما أرسله ترمب خلال رئاسته الأولى سفيراً لدى إسرائيل، راح يزايد على ترمب وعلى إدارته، فكان مما قاله في باب المزايدة، مثلاً، أنه سينقل مقر إقامته من تل أبيب إلى القدس، حتى ولو بقيت سفارة بلاده في تل أبيب كما هي!
غير أن ما يهمنا هنا هو أمر السفير هاكابي، الذي قرر في لحظة اندفاع عاطفية، أن يتهم حكومة أندي بيرنهام في لندن بأنها «تكره اليهود»، بينما الحقيقة غير ذلك تماماً لسببين: أولهما أنها لو كانت كذلك لكانت كراهيتها لهم قد ظهرت في موقفها تجاه اليهود الذين يقيمون ويعملون على أرض بريطانيا، وفي المقدمة منهم المؤرخ بابيه، والسبب الثاني أنه لا توجد حكومة في بريطانيا أو في غير بريطانيا تكره اليهود كيهود، أو المسلمين كمسلمين، أو المسيحيين كمسيحيين.
لا توجد حكومة تفعل هذا، فضلاً عن أن تعلنه، ولكن توجد حكومات لا حكومة واحدة تكره ما يفعله يهود متطرفون باسم اليهودية كديانة سماوية، أو يفعله مسلمون متشددون باسم الإسلام كديانة سماوية أيضاً، أو يفعله مسيحيون متشددون باسم المسيحية كديانة سماوية كذلك.
يدرك هاكابي هذا تماماً، ويدرك أن التطرف ليس حكراً على جماعة ولا على ديانة، وأن الإسلام إذا كان قد عرف ويعرف متطرفين باسمه وتحت لافتته، فاليهودية ليست استثناءً في هذا الطريق ولا المسيحية بطبيعة الحال.
وقد كان هذا بالضبط ما تبين لإيلان بابيه، فلم يشأ أن يخلط بين يهوديته كديانة وبين إسرائيليته كعقيدة سياسية تفعل ما تفعله بالفلسطينيين في أرضهم المحتلة على مرأى من العالم، وقد آثر أن ينتقل إلى بريطانيا التي وجدها لا تكره اليهود، وإلا ما كان قد قصدها للإقامة والعمل، وإنما تكره حكومتها السياسات التي تنتهجها إسرائيل تجاه أصحاب الأرض، وتكره التنكيل بهم، وتصطف مؤخراً ضد ما يجده أهل غزة والضفة على يد حكومة إسرائيلية بلغت في تطرفها حداً لم تعرفه حكومة قبلها في إسرائيل، ومنذ أن كانت لإسرائيل حكومة للمرة الأولى برئاسة ديفيد بن غوريون إلى اليوم.
التطرف لا ملة له، والتشدد لا عنوان له، وكلاهما يرتبط بأفراد ومجموعات لا بديانات، ومن حُسن الحظ أن يكون رجل مثل بابيه دليلاً على ذلك بين أدلة.
