لم تعد فكرة إحياء ذكرى الهجوم العنيف في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 مغريةً للمختصّين ولا للسياسيين -حسب البعض- (!)؛ وإنما يأتي حولها الحديث لماماً بغية إعادة جمع شتات ذلك الحدث الخيالي الذي يشبه لحظة سينمائية أتت ضمن ذرواتٍ مشهديّة غير اعتيادية هي واقعةٌ في حالةِ الـ«بيْن بيْن».
نعم هي حالةٌ بين الواقع المرتبك والخيال الصادم والتنفيذ الجهنمي والمجنون، أما ما تبقّى من ذلك الحدث فتجدد تفسيره وارتباطه بالمفهوم الأعمّ الذي انطلق منه، وأعني به مفهوم «الإرهاب» الذي يعلمُ، كلٌّ في مجاله، كيف تفجّر عن تغيير في معاني الطرح الفني والروائي والأدبي، هذا فضلاً عن التغيير في التناول السياسي والتطوير في إدارة زاوية الالتقاط الفكري والحذر لحظة الرصد الآيديولوجي.
بيد أن الأخطر يكمن في استمرارية «أثر» الحدث ليس على مستوى تجدد ذكراه الباردة فقط، وإنما أيضاً في تغيّر سلوك البشرية إزاء مفهوم الإرهاب بـ«البنط العريض»، حيث تتغيّر أنماط الإرهاب، بينما رتابة التحليل توشك أن تمسك بتلابيب مفهوم الإرهاب المخاتل، وذلك كله منعقدٌ بتنظيرٍ مكثّف ومحاولة تأصيلٍ هدفها الامتداد الزمني، مما يبقيها في حالة اقتدار على التدمير والفتك.
الآن وبعد مرور ربع قرنٍ على دخول العالم إلى «الكهف» المظلم اختلط الإرهاب بالمستجدات العلميّة والتقنية، بات مستعملاً للأساليب الحديثة بكل مكر، دعك من الحيل الأوّلية التي اندرَست في أوائل الألفية، بل نتحدث عن استعمالهم مثلاً لصراعات الذكاء الاصطناعي الحاليّة، وهذا ما حرصَ المعنيّون على رصده حيث نشرت قبل أشهر مادة في موقع: «التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب».
وفي مضمون الملف آنف الذكر ورد الآتي: «يمثلُ الذكاءُ الاصطناعيُّ فرصةً محورية، وتحدياً جوهرياً في مجالِ محاربة الإرهاب، إذ يوفّرُ قدراتٍ متقدمة في كل من الكشف عن الأنشطة المتطرفة، ونشرِ الروايات المناهضة للتطرف، وتعطيل المحتوى المتطرف، وتحديد المخاطر الإرهابية، وتنفيذ الاستجابات السريعة، وهي ما يمكن وصفها بـ(العمليات الخمس) لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لقد أدى ظهورُ الذكاءِ الاصطناعيّ إلى إعادة تشكيل استراتيجيات الأمن بشكل أفضل، لا بوصفه مجرّد أداةٍ، بل اعتباره إطاراً تحليلياً يعيدُ تعريفَ الأسس التي تُبنى عليها تلك الاستراتيجيات. ومع ذلك، يكشف الاعتماد عليه عن تحدياتٍ معقّدة تتعلق بالموازنة بين الابتكار التقني والاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، ما يثيرُ أسئلةً حولَ القوّةِ والتحكّم والحوكمة في هذا المجال. تتناول هذه المقالةُ تطبيقاتِ الذكاء الاصطناعي في محاربة الإرهاب من منظور أوسع، يشمل الديناميكيات النفسية والاجتماعية التي تغذيه».
ولفهم أشمل للمفهوم أذكّر هنا بنص لإيغور برموراتز، وترجمه وليم العوطة، وهو منشور على «موسوعة ستانفورد للفلسفة» بعناية مجلة «حكمة» حول مفهوم الإرهاب، ومما جاء في الشرح أن «من المرجّح أن يكون تاريخ الإرهاب وتاريخ العنف السياسيّ متزامنَيْن. ومع ذلك، فمصطلح (الإرهاب) حديث نسبياً، إذ استُخدِم منذ نهايات القرن الثامن عشر. لقد تحوّل استخدامه مراراً وتكراراً في بعض النواحي المهمة. علاوة على ذلك، غالباً ما تستخدم كلمة الإرهاب في الخطاب السياسيّ المعاصر بوصفها مصطلحاً جِدالياً تحجبُ شحنته العاطفية البليغة معناه الوصفيّ الغامض إلى حدٍّ ما. وهذا ما يعوق الحوار العقلاني المستدام حول طبيعة الإرهاب ومكانته الأخلاقية، وأفضل سبل التعامل معه».
برأيي أن هذه الذكرى تتيح لنا وببساطة طرح ملاحظتَيْن؛ الأولى: أن التقادم الزمني حوّل الحدث من واقعة استثنائية ساخنة نقرأها بحماسةٍ واندفاع إلى صخرةٍ أو كهفٍ نتفحّصه ونعاينه وندرسه ونمسحه معرفياً بغية فهمه ومن ثم الخروج من ظلماته.
الملاحظة الأخرى: أن الذكرى تحلّ سنوياً والعالم أكثر انصهاراً في مفاهيم ذات مسحة ارتكاسيةٍ كارثية حتى من دون وعيٍ بمستوى تعقيد ذلك الحصار الفكري الذي يعيشه، ولا بمخاطر اختطافه ومنعه من ممارسة الحيويّة الحياتية والتفوّق العلمي والانعتاق الدنيوي الحضاري.
الخلاصة؛ إن هذه الذكرى السنويّة الأحاديث عنها اضطراريّة، بالتأكيد أن شكل تذكّرها يتغيّر في كل سنةٍ بل مع كل عقدٍ، ولكن تمشيط أثرها ضروري بغية التقييم لما كنا عليه لحظة الحدَث.
إن في التأمل حال انتقالٍ من تذكّر الحدث العابر إلى التفكير بانهياراته وآثاره، خصوصاً أن جيلاً بأكمله قد شبّ ونشأ قبل أن يعاصر المشهد أو أن يعايشه ويرتطم به.
