سوسن الأبطح
صحافية لبنانية، وأستاذة جامعية. عملت في العديد من المطبوعات، قبل أن تنضم إلى أسرة «الشرق الأوسط» بدءاً من عام 1988، كمراسلة ثقافية من باريس، ثم التحقت بمكتب الجريدة في بيروت عند افتتاحه عام 1995. تكتب بشكل رئيسي في المجال الثقافي والنقدي. حائزة درجة الدكتورة في «الفكر الإسلامي» من جامعة «السوربون الثالثة». أستاذة في «الجامعة اللبنانية»، قسم اللغة العربية، عام 2001، ولها دراسات وأبحاث عدة، في المجالين الأدبي والفكري.
TT

اختبار «بيزا» صدمته مزلزلة

استمع إلى المقالة

مفاجآت اختبار «بيزا»، التَّقييمِ الدولي للطلاب الذي صدرت نتائجه قبل أيام، عن عام 2025، جاءت صادمةً، وفي بعض الدول الأوروبية أحدثت زلزالاً في الرأي العام، إذ تبيَّن أنَّ التعليم تراجع بشكل غير مسبوق، خصوصاً في القراءة والرياضيات، فيما بقيت المعرفةُ بالعلوم مقبولةً نسبياً.

المفاجأة الأكبر أنَّ الدولَ الآسيوية المشاركة في الاختبار تربَّعت على رأس القائمة، متقدمةً على كل الدول الغربية، حيث حلَّتِ الصّينُ أولاً تلتها سنغافورة، ثم ماكاو (الصين)، وتايوان، واليابان قبل أن تحل إستونيا سادسة، ومن بعدها كوريا الجنوبية وبريطانيا.

أمَّا أميركا التي تقود الصناعات التكنولوجية وثورة الذكاء الاصطناعي في العالم أجمع فترتيبها 13 عالمياً بعد أستراليا وفنلندا التي عرفت سابقاً بتعليمها الفذ. وكانت أول من تخلَّى عن الورق وتبنّي اللوح الإلكتروني لتندم على فعلتها، وتقرر العودة إلى الدفتر والقلم والكتاب.

وهذا أكبر تقييم تجريه اختبارات «بيزا» التي تجرى كل ثلاث سنوات، منذ انطلاقتها قبل نحو ربع قرن، شارك فيه 760 ألف طالب يمثلون نحو 33 مليون تلميذ، من 91 دولة. ركَّزت النسخة الأخيرة على العلوم، حيث استقر متوسط الأداء في السنوات العشر الأخيرة، لكن انخفض متوسط درجات القراءة بمقدار 28 نقطة في دول «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» التي تضمُّ غالبية الدول الأوروبية وأميركا واليابان، أي ما يعادل عاماً ونصف العام من الدراسة. وركَّزت أسئلة الاختبار على فهم الجمل، والإجابة السريعة، لتقييم الحس النقدي. فتبيَّن أنَّ ربع طلاب دول المنظمة، في سن الخامسةَ عشرة، يعانون من تدني الأداء في العلوم والرياضيات والقراءة، مقارنةً بنسبة 16 في المائة فقط في عام 2022.

علماً أنَّ القراءة من بين أهمّ المهارات في عصر الذكاء الاصطناعي، لأنَّها مفتاح لربط المصادر المختلفة، وتقييم المعلومات والتحليل النقدي للنصوص. ويعتقد أنَّ كثافة «القراءات الخاطفة» على الشاشات، جعلت الطلابَ غير قادرين على التأني، للوصول إلى فهم دقيق للمعاني، أو التأمل في مغزاها. وهو ما يجعل القراءة نشاطاً غير ذي فائدة كبرى.

أمَّا الطلاب المشاركون من خارج دول «منظمة التعاون والتنمية» في برنامج التقييم، فقد انخفضت درجات القراءة لديهم بمقدار 16 نقطة، والرياضيات بثماني نقاط، وهو ما يعني أنَّ النظم التعليمية، في غالبيتها، تعاني حالة ارتباك شديد، وتدهور كبير، مع استثناءات طفيفة في دول مثل كوستاريكا وسلوفاكيا وتركيا؛ وتبقى المملكة المتحدة أفضلَ حالاً من الدول الأوروبية الأخرى.

محللون يحاولون فهم الأسباب، منهم مَن يتحدث عن الهاتف الذي يشتّت انتباه الأطفال، بعضهم يلوم النظام التعليمي المائع وبعض آخر، على العكس، يريد تخفيف الأعباء الدراسية. هناك من يحمّل المسؤولية للأهل. ووصل الحال ببعضهم إلى اعتبار أنَّ انهيار التعليم سببه المهاجرين الذين أدخلوا آلاف الأطفال إلى المدارس دون مستوى يذكر. وتبقى وسائل التواصل المتهم الأول لأنَّها تسرق الوقت وتقلل التركيز وتأخذنا من القراءة.

في فرنسا القلق كبير، إذ يطالب تسعة من كل عشرة فرنسيين بأن يكون التعليم أولوية للرئيس الجديد، الذي سينتخب العام المقبل. والتساؤل هو كيف يمكن لأمة أن تنهض وشبانها لا يجيدون القراءة؟ وكيف لهم أصلاً أن يحلّوا مسألة رياضيات إن لم يكونوا قادرين على فهم السؤال؟

رغم أن بعض الدول العربية شهدت تقدماً، حسب نتائج المسابقة، فإنَّ أمامها جميعاً أشواطاً. أمَّا لبنان فقد صار حقاً في ذيل اللائحة، ولم يأت من بعده من الدول العربية على مبعدة درجات عدة سوى المغرب. أعطيت للبنان أعذار تخفيفية، على اعتبار أنه في السنوات السابقة أدخل عدداً كبيراً من طلاب رقيقي الحال، لم يكونوا مشمولين بالنظام التعليمي، لكن هذا لا يعفيه من تحمل المسؤولية، وعلى وزارة التربية تجاهل النتيجة الصعبة، ومواجهتها بشجاعة.

وعلى عكس كل ما يقال عن الذكاء الاصطناعي الذي سيحل مكان الأستاذ والطبيب والمهندس، فإنَّ الدراسة تحذّر من نقص الكوادر التعليمية الماهرة. وهو بالفعل أحد أسباب الأزمات التي يعاني منها التعليم، حيث تلجأ المؤسسات إلى الاقتصاد بتقليص الكوادر.

الأزمة مركّبة، فوضى في استخدام الألواح الإلكترونية، وتخلٍ سريع عن الطرق التقليدية، وضياع المناهج بين ما كان معتمداً، وما يجب أن نلجأ إليه، من دون حذر كبير أو تمهل. صار أطفالنا مجالاً للتجارب الموجعة التي ستدفع ثمنها المجتمعات غالياً في السنوات المقبلة. أصبح قسم كبير من الطلاب عاجزاً عن فهم معنى جملة بسيطة، أو إجراء عملية حسابية بدائية. فلو بحثت في نوعية الأسئلة التي طرحت على طلاب مسابقة «بيزا» لأدركت أنَّ النتائج ليست صادمة فقط بل كارثية.