غاب نجيب محفوظ قبل عشرين عاماً ولا يزال مشرقاً في آداب مصر. لا خلف ولا وريث. كان في جيله الكثير من العمالقة، لكنه كان المتقدّم،، الذين أتوا بعده، أتوا بعده. جيل طويل من الكبار وأسماء الألف، لكنه كان متقدّماً.
سرّه أنه لم يكن كاتباً عن مصر، بل كان روائياً رديفاً لها. هو كان لها ما كان فيكتور هيغو لفرنسا، وتشارلز ديكنيز لبريطانيا، وألكسندر بوشكين لروسيا. هو الرمز، وهو السرد، وهو مجد مصر وأهل الحتة معاً.
كيفما تلتفت تراه أمامك. ولدت مصر وعاشت في ظل الرمز الواحد: أم كلثوم في طرب الليالي، وعبد الناصر في عتب الأيام، ونجيب محفوظ يدندن ويروي.
روى بلا توقّف، وبلا تمهّل وبلا حساب. ولا كبير إلا مصر. هي فرعون، وهي الفقر، وهي السلطة المتعثرة، وقبل أي شيء هي الرواية الجميلة ومسك الختام. فعل نجيب محفوظ بالمصريين ما فعلته أم كلثوم: أضحكهم وأبكاهم وأطربهم وعاتبهم وأحبهم حتى.
لم يعد يبقى سوى أبوالهول لم يصرخ للحب وسيرة الحب.
ذلك كان عصر الإبداع في المحروسة، ومصر تفيق. وكل توقيع يجب أن يكون ذهبياً، وكل شاعر يجب أن يكون أملاً، وكل جماعة يجب أن تكون نهضة.
ذاك زمن خصوب، كل رجل فيه كان محمد علي، وكل قاض توفيق الحكيم. ولما لم يكن للنثر أمير يوصى عليه، تم التعويض على أديب مصر بنوبل للآداب.
ليس شيئاً بسيطاً أن يُكتب للمرء أن يعيش في زمن واحد حاشد بالنوابغ. نجيب محفوظ لم يكن عبقرياً من مصر فحسب، بل كان فصلاً من سيرتها وبطلاً من أبطال حاراتها وسيفاً من سيوفها الشعبية.
لذلك يبدو بعد 20 عاماً أن الاحتفال لا يزال بالغائبين.
