منذ أولى رشَقات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كان لبنان بالتحديد على عتباتِ أحلامٍ للانعتاق من حصارٍ آيديولوجيّ مركّب غير مسبوق، حيث تطمس استراتيجياتٍ سياسيّةٍ ذات أبعادٍ تاريخية سردابية وخرافية، وتتضاءل معها ما تبقّى من الهيمنة الناصريّة، واتفاقيات الإكراه السوريّة، وليس انتهاءً بالتورّط بآثارٍ فكريّة هي رجيعٌ من إرث الحرب الأهليّة... زحامٌ من الأمنيات والطموحات.
نعم؛ كانت الفرصة مواتية للنهوض من كبوةٍ جاثيةٍ أو من نومةٍ يمسكِ بمشرطِ اليقظةِ منها جاثوم عنيد شرير؛ بيد أن الذي حدَث العكس، وما توقّفت الفرص عند جولةٍ أو اثنتين، بل اتسعت الكوّة وتقلّص التيار الخرافي وانهارت سدنة هياكل الوهم وتصدّعت الثكنة تلو الثكنة، غير أن الوجوم خيّم ولم يتغيّر لا الحراك السياسي اللبناني، ولم يتجدد الخطاب.
بقي السجال أسيراً لخطاباتٍ ثلاثةٍ ندُر أن تجاوزها منذ بداية الحرب.
الأوّل: مناوئ ومنكر للهزيمة وغير «قاشعٍ» للحقيقةِ الماثلة أمامه، ويستبدل بتلك الحقيقة الأوهامِ الموروثة، ومن ثمّ يعالجها بالخطاب القديم والوعود المؤجلة، وأفكارِ الحضور والغياب، وهي أساليب غير دنيوية بمعنى أن التعاطي معها غير عملي سياسياً وإنما ينفع فقط للأتباع والناخبين والمكلومين، وإنما لن يمكّنهم من الخروج نحو آفاقٍ تجعلهم منخرطين في الدنيويّة التي بين أيديهم، ولذلك ازدادت عليهم الضربات وادلهمّت عليهم النكبات وذلك كله بسبب خطابات الحضور والغياب وثقافة «الاستعداد للرحيل».
الخطاب الثاني: ما تبقّى من الآيديولوجيات القديمة وهي أمشاجٌ من الاشتراكية والناصرية مع مسحةٍ من الخلاص الآيديولوجي الذي تمنحه لهم شعارات الثورة الإيرانية، كل ذلك الخليط جامعه الهجوم على «الإمبرياليّة» وعلى دول الخليج؛ ووسط استوديوهاتٍ تلفزيونيّة لقنواتٍ قديمة تفوح منها روائح التبغ وأصوات الصحافيين المتحشرجة وسترات العنق العتيقة يحاول البعض بعث تلك الأغلاط التاريخية وبعثها أمام جيلٍ جديد يتوق نحو التعلم ويريد لمستقبله أن يكون أكثر مدنيّةً وتطوراً وتعلماً وتمدّناً أن يخرج من «الأسر» الآيديولوجي المركّب والقاتل، وهذا الصنف هو الأكثر فتكاً حتى هذه اللحظة، لأنه يسوّق لنمطٍ غير واقعي، ولذلك يستبشر الكثير من اللبنانيين للخطاب المدني الليبرالي الذي تمثّله مجموعة من الساسة، ومن أبرزهم سمير جعجع الذي يقول في أحدثِ تصريحاته: «من لديه طريق بديلة لإنقاذ البلد فليطرحها بوضوح، لأن اللبنانيين ملّوا من الشعر والكلام الفارغ». وهنا مربط الفرس؛ أن يتجاوز اللبنانيون النمط الخطابي القديم نحو استثمار هذا التطوّر الإقليمي المواتي الذي يمكن البناء عليه ومواكبته.
أما الخطاب الثالث: ضرورة تجاوز ما كان يسميه الفيلسوف هيغل بـ«نسق الحاجات» وذلك ضمن نظريّته في الاقتصاد السياسي، وهي فكرةٌ يمكن تعويمها لشرحِ الإشكال الذي تعيشه بعض الدول ومنها لبنان، فلو تتبعنا بعض أنساق الخطاب لعثرنا على نمطٍ من التعالي أحياناً على الوقائع التي آلت إليها المراحل الحاليّة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، بالتأكيد لا مانع من الفخر بالتاريخ وهذا حقّ أي مجتمعٍ، ولكن الكارثة أن يتحوّل ذلك الفخر إلى حالٍ من التعالي على الواقعة أو على الوقائع، ثمة تمرحل تصنعه الزلازل لا بد للشعوب أن تتكيّف معه ضمن مصالحها وهذا يعبّر عن ذكاءٍ بل وقوّة في مواجهة المواقف الجسام، حتى حين يتحدّث البعض عن دول الخليج وانتظار هطول بسطتها التنمويّة إنما يطرح ذلك ضمن «نسق الحاجة» أكثر مما ينجح في تبويبه ضمن إطار «الشراكة» أو التنمية والتعاون وبدء رسم الخطط المستدامة.
الخلاصة؛ أن الحالة السياسيّة المعيشة كانت ولا تزال مواتيةً لدول الإقليم بغية الاستثمار بها واستعمالها لحفر مسارٍ آخر غير الذي هشّم التاريخ وأهلك الحرث والنسل وهذه مهمّة أساسيّة تقع على عاتق الساسة في لبنان أن يباشروا الاستثمار في الواقع الجديد من جهةٍ، وأن يواكبوا النهضات من حولهم في آسيا وأوروبا ودول الخليج، إنها ليست مهمة صعبة وإنما تحتاج إلى تحررٍ من آيديولوجيات الماضي ولعودةٍ واقعيّة نحو الدنيويّة البحتة التي يرونها لدى جيرانهم الصاعدين بقوّة.
