أفلام أميركيّة كثيرة، خصوصاً ما أخرجه كلينت إيستوود أو مثّل فيه، تنتهي هكذا: لصّ أو قاتل، على شيء من الخبل، يخطف طفلاً ويصوّب المسدّس إلى رأسه، طمعاً بالنجاة من رجال أمن يصوّبون مسدّساتهم إلى رأسه.
وإيران اليوم في وضع كهذا. فهي، مُنهكَةً ومعزولةً، تخطف مضيق هرمز وتصوّب المسدّس إلى رأس الاقتصاد العالميّ، علّ الذين يحاصرونها ويصوّبون مسدّساتهم إلى رأسها يُخفضون المسدّسات ويتيحون لها الإفلات.
لكنّ «بطل» الفيلم ينجح غالباً، وبسرعة باهرة، في إصابة الخاطف إصابة قاتلة في الرأس، ما يؤمّن النجاة للطفل المخطوف. أمّا مع إيران، فحال «البطل» أشدّ التباساً، فيما العناصر التي تُملي عليه حركته أكثر تعقيداً.
بيد أنّ وسيطاً قد يظهر أحياناً، فيقنع الخاطف بتسليم الطفل لرجال الأمن لأنّ الموت احتمالُه الأوحد، وحتّى لو قَتل المخطوفَ فأمره، في آخر المطاف، أمر وقت فحسب.
ولربّما كان الرئيس مسعود بزشكيان، في الحالة الإيرانيّة، الصوت الداعي لإعادة الطفل إلى أهله، علماً بأنّه الطرف الأضعف في نظام يسوده «الحرس الثوريّ». فهو، في أغلب الظنّ، وبحكم موقعه رئيساً للجمهوريّة، أكثر من يُطلّ على بؤس الناس، وسيّد العارفين بالأثر المحتمل للعقوبات الجديدة. لكنّه أيضاً، وبحسب ترجيحات وجيهة، أقلّ آيديولوجيّي النظام آيديولوجيّةً، وأضعفهم يقيناً بأنّ «الدم يهزم السيف» وبباقي الترسيمة الغيبيّة عن الموت كحياة والهزيمة كانتصار.
هكذا رأيناه يدعو، وبما فاجأ الكثيرين، إلى إنهاء الحرب مع أميركا «اليوم»، من دون أن ينسى ردع المزايدين استباقيّاً، والقول إنّ بلاده في «موقع قوّة وكرامة»، فضلاً عن توكيده عدم الرضوخ والمضيّ في المواجهة «حتّى الرمق الأخير».
وفي موقف بزشكيان هذا الكثيرُ من سيرته المنشورة والمعروفة، والتي قد تسهم في فهم بعض أسباب اختلافه. فهو، كسائر الكوادر العليا للنظام، يملك شروط الثقافة الدينيّة المطلوبة، لكنّه أيضاً مولود لأب أذريّ وأمّ كرديّة، وسبق أن طالب بمنح القوميّات الإيرانيّة حقوقها اللغويّة والثقافيّة، إذ تُقدّم السياسات المتّبعة «أعذاراً للانفصاليّين والمنشقّين».
وبعد تولّيه الرئاسة رفع نسبة الأقلّيّات، والنساء أيضاً، في المناصب الرسميّة العليا. أمّا وصوله إلى السياسة فثلاثيّ المصادر: الإدارة حيث شغل منصب محافظ، والجامعة حيث رأس كطبيب جامعة تبريز للعلوم الطبّيّة، والبرلمان حيث انتُخب لعضويّته خمس مرّات، وشغل منصب النائب الأوّل لرئيسه خمس سنوات.
وكان أوّل منصب حكوميّ يحتلّه كنائب لوزير الصحّة، قبل تولّيه وزارة الصحّة، في عهد محمّد خاتمي الموصوف بالإصلاحيّة. وقد حفّت بطريقه إلى الرئاسة عوائق جدّيّة توحي أنّه من غير المحظيّين. هكذا انسحب من المواجهة في 2013، ورُفض ترشّحه في 2021، قبل فوزه في 2024 متغلّباً على سعيد جليلي، أحد رموز التصلّب.
وبزشكيان سجّل مواقف تُجافي مواقف الحرسيّين، وإن تراجع مرّاتٍ وعاود الاصطفاف إلى جانبهم. فهو انتقد شراسة التعاطي مع انتفاضة 2009، واعتبر التعامل مع احتجاجات 2018 «خاطئاً علميّاً وفكريّاً»، وبعد احتجاجات 2022، طالب بتشكيل فريق «للتقييم والتوضيح». وفي الحرب الراهنة، اعتذر للدول المجاورة عن الاعتداءات التي طالتها، لأنّ بلاده «لا عداوة لها مع دول المنطقة». ورغم عجزه عن وضع تطميناته للجوار موضع التنفيذ، انتقده المتشدّدون وسمّوا اعتذاره «إظهاراً للضعف»، وردّ بعضهم عليه مؤكّدين التمسّك بالسياسات العدوانيّة.
وبزشكيان ينتمي في تلك المواقف، بالتي تراجع عنها والتي لم يتراجع، إلى خطّ عبّر عنه خاتمي. وكان الأخير صاحب الصوت الأعلى، بين أنصاف الرسميّين، في معارضة الحرب. فالشعب، وفقاً له، لا يستطيع مواصلة حياته الطبيعيّة وإدارة المجتمع في ظلّ حرب مستمرّة، ولا تنهض الدولة على منطق «الانتقام» وعلى العاطفة، فلا بدّ من «التدبير والدبلوماسيّة المحسوبة» حيال أميركا، التي قال إنّه لا يثق بها، وحيال إسرائيل، التي قال إنّه يثق بسعيها إلى إدامة التوتّر.
وبدوره رأى قطب آخر في هذا الجناح، هو الرئيس السابق حسن روحاني، أنّ بقاء الحالة الحربيّة غير قابل للحياة، داعياً إلى استخدام الدبلوماسيّة والوحدة الوطنيّة، ومنتقداً استمرار انعدام الأمن الذي يجعل النموّ الاقتصاديّ والاستثمار مستحيلين. وزعم روحاني أنّ المرشد الراحل علي خامنئي لم يكن يسعى إلى الحرب، وأنّه سبق أن منع اندلاعها، محذّراً من أقلّيّة داخل المجتمع تقول إن تصعيدها وتوسيعها قد يعجّلان في ظهور المهديّ.
وفي كلمة ألقاها أمام رئيس الجمهوريّة، دعم حسن الخمينيّ، حفيد الإمام الخمينيّ، التوصّل إلى اتّفاق مع أميركا، مذكّراً بصلح الحديبيّة مع مُشركي قريش. ووقّع، في تمّوز (يوليو) الماضي، 268 شخصيّة بياناً بعنوان «نحن لا نريد الحرب»، منهم الحاكم السابق للبنك المركزيّ ودبلوماسيّون ونوّاب سابقون، مؤكّدين أنّ «الأغلبيّة الساحقة من الإيرانيّين تريد السلام».
فهل ينجح هؤلاء، ممثّلين ببزشكيان، في التوسّط لإعادة الطفل إلى ذويه، أم ينجح المتطرّفون في تصعيد عسكريّ هدّدوا به، لا سيّما وقد لوّح محسن رضائي بالسلاح النوويّ؟ الاحتمال الأوّل هزيمة لإيران قد يرافقها اعتراف بجميل الوسيط، أمّا الثاني فيُرجّح أن يتأدّى عنه زوال الخاطف والوسيط معاً.
