بندر بن عبد الرحمن بن معمر
كاتب وباحث سعودي مهتم بالتاريخ، له مؤلفات مطبوعة ومقالات وبحوث منشورة. وهو أيضًا رجل أعمال وعضو مجلس إدارة عدد من الشركات، ومستشار لعدة جهات وهيئات.
TT

حين يكون الأمن تاريخاً

ليس الأمنُ في التجربة السعودية فصلاً عابراً يُروى في أثناء الأخطار، ولا حاشية تُضاف إلى سيرة الدولة حين تستقر الأمور؛ بل هو متنٌ في سِفر التاريخ السعودي، هو المسلك الذي امتد 3 قرون، من تأمين النفس والعرض والمال والطريق والماء والحاج والقافلة، وأنهى عهد ضرائب الحماية وحق المرور الآمن (الإتاوات)، إلى بناء المؤسسات، فإزالة الأسوار التي كانت ترمز لحماية المدن والبلدات ليلاً، ثم جاءت حماية الوعي، وحتى استشراف ما يأتي به الذكاء الاصطناعي من فرص ومخاطر. من هنا يكتسب العنوان معناه؛ فالأمن لم يكن مجرد شرط للاستقرار ثم التنمية؛ بل صار فصولاً في سردية كُتب بها توحيد الوطن وتاريخ بناء الدولة، ويمكن أن نضيف إليها اليوم ما نستأنف به المستقبل.

هذا المعنى ليس تأملاً نظرياً، إنما جوهر ما دار في (مؤتمر حوار الأمن والتاريخ 2026)، الذي نظمته وزارة الداخلية في قصر الثقافة بحي السفارات بالرياض، بين السادس والثامن من سبتمبر (أيلول)، تحت رعاية الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية، وبشعار «تاريخنا ومستقبلنا... أمن ونماء». 3 أيام، وأكثر من 60 ساعة حوار، وما يزيد على 160 متحدثاً، وأكثر من 5 آلاف زائر، وفعاليات مصاحبة، و30 جهة مشاركة؛ كل ذاك لم يكن مجرد فعاليات وأرقام؛ بقدر ما كانت محاولة لقراءة موسعة لتاريخ الوطن من أحد أبوابه الواسعة: باب الأمن.

في افتتاح المؤتمر لخّص مستشار وزير الداخلية المشرف العام على المؤتمر أحمد بن محمد الطويان الفكرة في جملة غدت من مفاتيح النقاشات: «الأمن أصل البناء، والتاريخ شاهد النماء، وبينهما قامت دولة، وتوحّد وطن، وامتدت مسيرة». وأكد أن الأمن في المملكة العربية السعودية «ليس ظرفاً، بل هو منهج، ومنهج أصيل» امتد عبر مراحل الدولة حتى العهد الحاضر. وأرى أن هذه الجملة ليست زخرفة خطابية؛ بل قراءة تاريخية؛ فمنذ الدولة السعودية الأولى لم يكن الأمن مهمة لاحقة تُسند إلى جهاز بعد اكتمال الكيان؛ بل ركيزة في التأسيس نفسه. نقل الأمن الإنسان من حماية الطريق ومصادر الحياة إلى منظومة مؤسسية تحمي المكتسبات، ثم إلى منظومة فكرية تحمي المعنى.

وهنا يتبادر تساؤل: هل الأمن سبب أم نتيجة؟ وقبل الإجابة، لا بد من التنبه أن الأمن الذي نتحدث عنه هو الأمن الناتج عن العدل لا عن الاستبداد، والأمن السعودي أمن حقيقي لم يُفرض بالسيف وحده؛ بل وُلِّدَ من العدل فنتج عنه الاستقرار والرخاء. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة العلاقة بين العدل والأمن بوصفها علاقة تأسيس متبادل؛ فالعدل يعزز الثقة والاستقرار، والأمن يحمي النظام الذي تصان في ظله الحقوق وتنفذ الأحكام.

وهنا علاقة واضحة بين العدل والأمن في بناء الدولة: الأمن راسخ تحكمه قاعدة عادلة لا إرادة منفلتة، ومستدام لأنَّه متولد من مرجعية شرعية ثابتة، كما أن السلطة التي تطبقه خاضعة لمرجعية عليا تستند إلى منظومة قيمية عادلة لا إلى سلطة الحكم وحدها، وشامل لأنه يتجاوز مفهوم الحماية ليشمل كل مناحي حياة الإنسان كالأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي والصحي وغيرها؛ علاوة على الأمن القانوني؛ إذ لا يستقر المجتمع بمجرد غياب الخطر، وإنما باستقرار القواعد ووضوح الحقوق والواجبات وإمكان التنبؤ بالأثر النظامي للتصرفات والثقة بأن النزاع يجد مؤسسة تفصل فيه وفق قواعد معلومة.

اليوم الأول أعاد المشهد إلى جذوره. جلسة «تاريخ المكان: قصة الجذور والمنشأ» لم تتحدث عن الجغرافيا بوصفها خلفية صامتة، بل بوصفها مسرح الأمن الأول: مجاري المياه القديمة، المنشآت الحجرية، طرق الحج، مخاطر القوافل، وأثر تأمين المسالك في استقرار المجتمعات، ثم انتقل الحديث إلى «أمن الدولة»: كيف ارتبطت المنظومة الأمنية بترسيخ نفوذ الدولة وتوحيد البلاد. وفي موازاة ذلك حضرت شخصية الملك عبد العزيز في الذاكرة العالمية، ورعاية الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، والإرث العسكري، والعدالة بوصفها أساساً سعودياً أصيلاً لا ملحقاً إدارياً. العدالة هنا لم تُعرض شعاراً؛ بل وثيقة وحكماً وحقوق ملكية واحتراماً للقضاء؛ أي الأمن حين يصير نظاماً يثق به الناس.

إذا كان اليوم الأول يسأل: من أين بدأ الأمن؟ فإن اليومين التاليين سألا: إلى أين يمتد؟ وكيف يُحمى الوعي كما تُحمى الحدود؟

ناقشت الجلسات الأمن الفكري، والمرجعية الشرعية، والاعتدال. أوضح الأمين العام لهيئة كبار العلماء الدكتور فهد بن سعد الماجد أن الثوابت الشرعية والوطنية ركيزة في أمن المجتمع، وأن حماية المفاهيم من التحريف جزء من الأمن لا يقل عن حماية الأرض. وتكامل ذلك مع حديث عن منظومة الأمن الخليجي، والانتقال من التعامل مع الجريمة بعد وقوعها إلى استباق الشبكات، ومن المخدرات وغسل الأموال إلى جرائم الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي. الأمن هنا لم يعد جداراً، بل استشرافاً.

وفي مسار موازٍ، رُبط الأمن بالاستثمار: لا ثقة بلا استقرار، ولا فرص بلا قانون واضح، ثم اتسع المفهوم إلى المواطنة والهوية. الوعي بالتاريخ يعمّق الانتماء، والاعتزاز بالهوية لا يعني انتقاص الآخر، واللغة العربية ومكونات الهوية تحتاج حماية في الفضاء الرقمي كما تحتاج الحدود حماية في الجغرافيا. الهوية السعودية قُرئت بثلاثة روافد: المنهج الإسلامي، وتجربة توحيد الدولة وبنائها، والبعد الثقافي والاجتماعي، تكامل ثقافات المناطق لا تنافرها، والصهر الوطني لتتشكل الهوية السعودية، ثم يأتي المواطن الواعي - لا الأجهزة الأمنية وحدها - كعصب للأمن حين يصبح التاريخ ثقافة يومية لا مادة دراسية.

اليوم الثالث أنزل المفهوم إلى البيت والمجتمع والذاكرة الحية. دور المرأة والأسرة في بناء مجتمع آمن، الموروث الحضاري، قصة الإنسان والتنمية وانعكاساتها الأمنية والاجتماعية، ودور الإعلام والقطاعات الأمنية في صناعة الهوية. وفي جلسة الثقافة والفنون والأمن الفكري، قيل بوضوح إن المؤسسات الثقافية والفنانين شركاء في الأمن، لا ضيوف عليه. الثقافة تحول الأرشيف إلى تجربة معيشة، والفن ينقل الشعور لا المعلومة وحدها، والثقة بالثقافة المحلية هي ما يسمح بالانفتاح على العالم دون ذوبان. الأمن الفكري، في هذا المعنى، ليس رقابة سالبة، بل صناعة معنى واجبة.

في هذا الامتداد جاءت إحدى أهم الجلسات: «الأمن والسلم في تاريخ السياسة السعودية»،. التي نقلت النقاش من أمن الداخل وبناء المؤسسات، إلى سؤال السياسة نفسها: كيف صنعت الدولة السعودية سلماً وأمناً عبر تاريخها السياسي، لا بوصفهما نتيجة ظرف، بل بوصفهما اختياراً تراكم عبر عقود.

وفي هذا السياق، جاءت مداخلة الدكتور برنارد هيكل أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، كقراءة خارجية من باحث أمضى سنوات في دراسة الجزيرة العربية وسياساتها، أكد هيكل أن المملكة العربية السعودية «دعمت عبر عقود التضامن العربي والإسلامي». الفكرة هنا تتجاوز المجاملة الدبلوماسية، إلى وضع السياسة السعودية في خط ممتد. دولة تطلب الأمن لا بالعزلة؛ بل ببناء تضامن أوسع يحمي استقرارها واستقرار محيطها. وهيكل، بخلفيته الأكاديمية في تاريخ الجزيرة وتحولاتها الحديثة، قرأ الأمن والسلم في السياسة السعودية بوصفهما ممارسة طويلة، لا شعاراً طارئاً يُرفع عند الأزمات ثم يُطوى. التضامن في هذا المعنى أداة أمن، يحفظ العمق العربي والإسلامي للدولة، ويمنع أن يتحول المحيط إلى فراغ تملؤه الفوضى أو المشاريع العابرة للحدود.

المداخلات الأخرى للسفراء عبد الله المعلمي وأسامة نقلي وكاتب هذه السطور بندر بن عبد الرحمن بن معمر، جاءت من داخل السردية التاريخية السعودية لا من خارجها؛ بل إن جزءاً منها جاء من سفراء عاشوا داخل أروقة الدبلوماسية السعودية التي ترى أن حل الأزمات يتطلب شراكات إقليمية ودولية، كما أن الرد على المواقف تحكمه حسابات سعودية دقيقة. هذه المداخلات وضعت الأمن والسلم في قلب السياسة لا على هامشها: السلم ليس غياب الحرب فقط، والأمن ليس جهاز ضبط لاحقاً للتوحيد. السياسة السعودية - من لحظة التأسيس إلى اكتمال توحيد الكيان - عملت على تحويل التفرق إلى وحدة، والفوضى إلى نظام، والنظرة الأوسع: أن الملك عبد العزيز لم يوحّد جغرافياً فحسب؛ بل صهر سكان أقاليم مختلفة في مجتمع متجانس، كما اهتم مبكراً بالجوانب النظامية والدستورية والإدارية، وبناء مؤسسات وهيئات ولجان صاغت أنظمة الدولة بين منتصف العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، حتى صار التوحيد إعلاناً سياسياً يقوم على بنية قانونية لا على غلبة السلاح. الأمن في هذا التأويل ثمرة سياسة؛ والسلم ثمرة دولة تعرف كيف تكتب تاريخها، وقبل ذلك كيف توطد أمنها، لا كيف تكسب جولة ثم تبدأ من الصفر.

بهذا التقابل، اكتملت صورة الجلسة، هيكل ينظر من الخارج إلى استمرارية التضامن بوصفها أداة أمن وسلم إقليمي؛ والمعلمي ونقلي وابن معمر ينظرون من الداخل إلى استمرارية النهج السياسي بوصفها أصل الأمن والسلم نفسه. الأول يقرأ أثر السياسة السعودية في المحيط، والآخرون يقرأون كيف صارت السياسة تاريخاً للدولة، والأمن والسلم هنا مترادفان وكلاهما له مدلول داخلي وخارجي. وبين القراءتين يتضح معنى عنوان المؤتمر على نحو أدق: لا أمن مستداماً بلا سياسة تعرف تاريخها، ولا سياسة راسخة إذا فُصل الأمن عن السلم وفُصل كلاهما عن الدولة.

قيمة المؤتمر لم تكن في كثرة الجلسات وحدها، بل في توسيع تعريف الأمن حتى صار قادراً على حمل فصولاً من التاريخ. الأمن الذي يحمي الحاج في الطريق هو نفسه الذي يحمي الوعي من الغلو، وهو نفسه الذي يهيئ بيئة الاستثمار، وهو نفسه الذي يمنح الأسرة والمرأة والإعلام دوراً في صناعة الاستقرار، وهو نفسه الذي يظهر في تاريخ السياسة السعودية مشروعاً للسلم لا مجرد إدارة للخطر. ومن هنا يصدق القول الذي تردد في أروقة المؤتمر: «لا تنمية بلا أمن، ولا مستقبل بلا تاريخ».

هذا الربط ليس سعودياً فقط في تفاصيله، لكنه سعودي بامتياز في امتداده الزمني؛ فعلى امتداد نحو 3 قرون من التاريخ السعودي وباختلاف مراحله وتحولاته ظل الأمن حاضراً بوصفه أحد الموضوعات المركزية في قيام الدولة وإعادة بنائها وتطور مؤسساتها،

من تأسيس الدولة مروراً بتطورات ومراحل دوريها الأول والثاني، وصولاً إلى الدولة الحديثة التي أعاد توحيدها عبد العزيز. بدءاً من دخول الرياض وما تلاه إلى إعادة ضم الأقاليم التي تفرقت، ثم تأمين البادية وتوطينها، فتوحيد الكيان، وبناء مؤسسات الدولة، إلى الشراكات الإقليمية والدولية، مروراً بكل المراحل التي تلت، وصولاً إلى مواجهة أنماط جديدة من الجريمة والخطاب. التاريخ هنا ليس متحفاً يُزار؛ بل يمكن عدُّه دليل تشغيل للحاضر. والعودة إليه ليست حنيناً، إنما تنقيباً عما ينفع حركة اليوم، ويمحو ما يعوقها.

حين يُختتم مؤتمر كهذا بأكثر من 5 آلاف زائر، ومتابعة واسعة للبث المباشر عبر المنصات، وبشراكة بين وزارة الداخلية ودارة الملك عبد العزيز والهيئة الملكية لمدينة الرياض وأكاديمية طويق و(تحكم) وعشرات الجهات العسكرية والأكاديمية والثقافية، وبتنظيم دقيق فإنَّ الرسالة تتجاوز قاعة الحوار. الرسالة هي أنَّ الأمن إذا فُهم على هذا النحو لا يبقى شأناً قطاعياً، بل يصبح ثقافة عامة، يعرف الجيل من أين جاء الاستقرار، ولماذا يستحق الحماية، وكيف يُورَّث لا كخوف بل كفخر ومسؤولية.

لذا، فإنَّ «حين يكون الأمن تاريخاً» ليست عبارة شاعرية؛ بل هي وصف دقيق لحالة سعودية: دولة اقترن تاريخها بإعادة بناء الأمن والاستقرار في مساحات واسعة من الجزيرة العربية، ثم طور مفهوم الأمن حتى تجاوز الحماية المباشرة إلى مختلف مناحي حياة الإنسان، وسيُكتب عن مستقبلها كلما اتسع مفهوم الأمن ليشمل الأرض والإنسان والمعنى والسياسة؛ إنَّه الأمن الشامل الذي يصبح تاريخاً يُروى، والتاريخ الذي يُروى بصدق يُمسي أمناً يُجدد. وبينَ شمولية الأمن ورواية تاريخه تمتد مسيرة وطن يعرف قيمة ما أُنجز، ويستعدّ لما سيُنجز.