فايز سارة
كاتب وسياسي سوري. مقيم في لندن. عمل في الصحافة منذ أواسط السبعينات، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات الإعلامية، وكتب في كثير من الصحف والمجلات، ونشر دراسات ومؤلفات في موضوعات سورية وعربية. وساهم في تأسيس العديد من التجارب السياسية والمدنية.
TT

سوريا وروسيا

استمع إلى المقالة

لعلَّ روسيا هي الدولة الأكثر حضوراً في سوريا في خلال المائة عام الماضية، وقد تعدد وتنوع الحضور الروسي، فشمل ميادينَ مختلفة، وأنشطة متعددة المستويات، والمحتويات، وتشاركت فيها أطراف روسية، بعضها جهات ومؤسسات رسمية، وأخرى مدنية، وأهلية، بينها الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي لا يفصل كثيرون نشاطها عن نشاط الدولة الروسية العميقة.

الأقدم في الحضور الروسي كان أيام الإمبراطورية الروسية، وقامت به الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أواخر القرن 19، وشمل نشاطات دينية، واجتماعية، وثقافية جمعت بين الرعاية الدينية، والخدمات التعليمية، والصحية، وارتبطت بتأكيد سياسة روسية ناعمة في سوريا وجوارها لتأسيس نفوذ روسي في شرق المتوسط العثماني حينها الذي كان ميدان تدخلات أوروبية، وعمل الروس من خلال كنيستهم على المشاركة فيها، وإنما وفق معاييرهم الخاصة، ومنها أن التعليم في مدارسهم حينذاك كان باللغة العربية.

وبعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 توسع الحضور الروسي، فانتقل إلى الميدان السياسي، وهذا ما يمكن ملاحظته في نقطتين: الأولى: كشف اتفاقية سايكس-بيكو الفرنسية البريطانية لاقتسام السيطرة على سوريا، ولبنان، وفلسطين، والعراق بما تعنيه من فضح لسياسة فرنسا، وبريطانيا، والأهم أنها ورقة تودد للعرب، والنقطة الثانية: توجه روسي لخلق أحزاب توالي موسكو في المشرق، وكانت سوريا أهم ساحاتها، حيث تشكل حزب «الشعب» عام 1924، والذي تحول لاحقاً إلى «الحزب الشيوعي السوري»، وقد ساهم إلى جانب «الحزب الشيوعي الفرنسي» في محادثات باريس عام 1936 من أجل إنهاء الانتداب، واستقلال سوريا، وقد منعت مقدمات الحرب العالمية الثانية تنفيذ الاتفاقية.

وكان استقلال سوريا فرصة لتطور مهم في العلاقات السورية-الروسية، خاصة بعد مرور التباسات الموقف الروسي من الحرب في فلسطين عام 1948، والتي كان السوريون أحد أطرافها، حيث تبنت موسكو -وبالتالي «الحزب الشيوعي السوري»- تأييد قرار التقسيم، واعترفت بإسرائيل بخلاف الموقف السوري والعربي الرافض، وكان ذلك من بين عوامل الشقاق السياسي بين روسيا والعرب، ولم يستطع أغلب العرب تجاوزه، وهو أمر فعلته سوريا ومصر في عام 1956، عندما اتجهتا إلى شراء أسلحة روسية، مما فتح الباب ليشمل لاحقاً تدريب الضباط، وإرسال الخبراء، وعقد اتفاقيات تعاون عسكري، وغيرها.

إن التعاون العسكري الذي استجاب لهدف سوريا في بناء وتطوير المؤسسة العسكرية على نحو ما ترغب -أو قربه- أعطى الروس فرصة تمدد وحضور في منطقة كانت تخص خصومهم الغربيين، كما فتح بوابات أوسع للتعاون بين الجانبين. ففي الستينات أقام الروس عشرات المؤسسات المهمة والضرورية في سوريا، كان بينها سد الفرات، وطوروا الموانئ، وعززوا إنتاج النفط، والفوسفات، وفتْح أبواب من أجل تطور اقتصادي في قطاعات الإنتاج، والخدمات، وجعل سوريا تدخل مراحل جديدة من التطور الاجتماعي، والثقافي، وكان من أثر الأخير أن فتحت الجامعات الروسية والكليات العسكرية والمعاهد أبوابها لتعليم وتدريب مئات آلاف الطلاب، والضباط، والقادة، وكوادر الإدارة في الدولة، والمجتمع، وكلها تمت بشكل شبه مجاني، وهو ما أعطى الروس في سوريا ثقلاً كانوا يسعون إليه، وجعلهم يحصلون على موقع لم يحصل عليه غيرهم في دوائر القرار السوري، وتم منحهم فرصة إقامة قاعدة بحرية في طرطوس على ساحل المتوسط، وكانت ذلك من أهداف روسيا في الوصول إلى المياه الدافئة.

غير أن اللوحة الأفضل لعلاقات الطرفين السوري والروسي واجهت تطورات خطيرة في البلدين وفي البيئة الدولية مع السنوات الأخيرة من التسعينات، ونصف العقد الأول من القرن، كان أبرزها دخول سوريا في أزمة سياسية-اقتصادية-اجتماعية في وقت يسعى حافظ الأسد إلى توريث ولده بشار، فيما كانت أزمات الاتحاد السوفياتي أخطر، وأشد وطأة، حيث أدت إلى انهيار النظام الشيوعي، وتفكك الاتحاد وحلفائه في شرق أوروبا، مما أدى إلى انهيار منظومة العلاقات السورية-الروسية، قبل أن يعود الطرفان إلى إعادة بنائها، لكن وفق أسس جديدة.

إن الإرث الطويل والمعقد في علاقات سوريا وروسيا فرض إعادة تنظيم العلاقات بين روسيا بعد الاتحاد السوفياتي وسوريا ما بعد حافظ الأسد وفق أسس جديدة، وهذا ما يفسر الموقف الملتبس بـ«شبه الحياد» لموسكو بعد قيام الثورة في 2011 بأنه عمل سياسي يمنع سقوط النظام، غير أن تدخلات إيرانية عميقة بجانب موسكو، واستعداد نظام الأسد لمنح الأخيرة كل ما تريده وتطلبه لقاء تدخل عسكري حاسم إلى جانبه في العام 2015 قلب أغلب معادلات الصراع السوري، وحول سوريا، ووضع الأخيرة تحت هيمنة روسية، وأخذت روسيا وشركاتها امتيازات كثيرة وكبيرة ثمنها حماية النظام من السقوط، لكن تلك الامتيازات والمكاسب لا يمكن تنفيذها في ظل استمرار الحرب، مما جعل موسكو تتفاعل إيجابياً مع فكرة التغيير السوري في 8-12-2024.

لقد دفعت عملية التغيير وانتقال السلطة من نظام الأسد لنظام جديد إلى التدقيق في واقع سوريا المدمرة، وما خلفته الأسدية، مما شكل أرضية سورية-روسية نحو توافقات صريحة، وضمنية، وتناسب أيضاً الأوضاع السياسية المحيطة بالطرفين، وكانت النتيجة انسحاب روسي واسع من سوريا يتضمن إلغاء أو تعديل جوهري في الاتفاقات مع روسيا، وتأكيد روسي على سيادة الدولة السورية على أراضيها، مقابل تطبيع دمشق العلاقات مع موسكو، وهذا يعني وضع ما يتعلق من موضوعات ملتبسة في علاقات الطرفين عن الفترة السابقة على قاعدة تعامل هادئ وطويل المدى بين الجانبين.

روسيا تدرك أهمية سوريا وموقعها في شرق المتوسط، وأنها أحد مفاتيح المنطقة، وبين أهم ممراتها، وترى ضرورة أن تحافظ على أي وجود ممكن في هذا البلد، ولها إرث طويل من العمل في هذا السياق، والنظام الجديد يرى أن روسيا دولة عظمى بإمكانيات كبيرة، ويمكن أن تساعده في مواجهة ظروف سوريا الراهنة، وفي مساعي تصفية ما خلفه النظام السابق من مآسٍ، وكوارث، وقد صدرت تصريحات روسية أكدت استعداد روسيا لهذا الدور، وهذه إشارات لما حدث من اتفاقات وتوافقات بين الطرفين، وما يمكن أن يحدث بينهما لاحقاً في سياق علاقات المرحلة المقبلة.