قبلَ أن يغوصَ في التجربة اللاتينية، يذهب الكاتبُ لورانس هاريسون إلى الشرق الآسيوي. الاقتصادي السويدي غونار ميردال نشر كتاباً بعنوان «الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم» شرح فيها أسبابَ التنمية والفقر.
الخلاصة التي خرجَ بها ميردال أنَّ العواملَ الثقافية تشكّل العائقَ الأكبرَ أمام التحديث. الثقافة تتغلغل عميقاً في البنية الثقافية والسياسية والاقتصادية وتهيمن على النظام الاجتماعي بالكامل.
علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا أخفقوا في فهم الدور الكبير للثقافة، وارتكبوا خطأً كبيراً عندما استبعدوها. يكتب ميردال عن هذا الإخفاق: «قد يبدو أن هناك تفسيراً واضحاً لذلك، وهو أنَّ العواملَ التي يجري استبعادها من التحليل الاقتصادي - مثل المواقف الذهنية، والمؤسسات، وأنماط ومستويات المعيشة، والثقافة بصورة عامة - أصعبُ بكثير في الفهم والتحليل المنهجي من العوامل الاقتصادية المزعومة».
قيم التحديث مثل العقلانية والمساواة والاجتماعية والاقتصادية، جاءت من خارج الثقافة التي تشكّلها قيمٌ تقليدية أخرى مختلفة تماماً تتحكَّم في سلوك الجماهير. هذه القيم شكَّلت العقولَ ولكنَّها مثَّلت عقبةً كبيرة أمام التغيير.
رئيسُ الوزراء الهندي نهرو الذي كانَ ينتمي للنخبة الفكرية والسياسية، كتبَ عن هذا التَّصادم بين نظامَي القيم القديم والجديد:
«إن البلد الخاضعَ لهيمنة أجنبية يحاول الهروبَ من حاضره من خلال الأحلام بعصرٍ ذهبي مضى، ويجد عزاءَه في رؤى العظمة الماضية. وهذا موقفٌ أحمقُ وخطير يقع فيه كثيرون منا. من الممارسات المشكوك فيها كذلك أن نتخيل أنَّنا ما زلنا عظماء روحياً رغم تراجعنا في الجوانب الأخرى. فلا يمكن أن تقومَ العظمةُ الروحية أو أي عظمة أخرى على غياب الحرية والفرص أو على الجوع والبؤس».
لا أوافق إطلاقاً على تمجيد حياة الفلاح البسيطة. بل أكاد أشعرُ بالنفور منها. فما الذي يستحق التمجيدَ في ذلك الفلاح الذي سحقته واستغلته أجيالٌ لا تحصى؟
ورغم السلبيات التي جلبها الاستعمار البريطاني إلى الهند، فإنه حقق من جانب آخر قدراً من التحديث لم يعرفه الهنود سابقاً. ويقول غونار ميردال إن كارل ماركس أشار إلى شيء مشابه لذلك بحديثه عن الثورة التي حدثت في الهند. بريطانيا أدخلت الجيش الحديث والصحافة والتعليم والتقنيات الحديثة، وأسهمت بشكل كبير في تشكيل مفهوم الأمة. رغم كل أوجه القصور، فإنه أيضاً حقق من جانب آخر منافع وتحديثات في بنية المجتمع.
ميردال يقول إن غيابَ الولاء للأمة والوطن يحدِث أضراراً جسيمة في المجتمع. ينتشر الفساد والمحسوبية وتُستغل السلطة لمصلحة العائلة والجماعة والطائفة. أي أن المجتمع يتعرض للتفتيت الكامل.
ومع هذا، فإنَّ الثقافة ليست عصيَّة على التغيير، حيث يمكن تغييرُها من خلال التعليم والإعلام وإصلاح الاقتصاد. ويضيف الكاتب: «من منظور التنمية، يجب أن يكونَ هدف التعليم ليس فقط نقل المعرفة والمهارات، بل عقلنة المواقف والاتجاهات الثقافية». بكلمة أخرى، عقلنة الثقافة لجعلها داعماً للتنمية وليس عقبة في وجهها.
إذا كان المجتمع يمتلك المالَ والتاريخ والموارد الطبيعية والموقع الجغرافي المميز، ولكن الثقافة تشجع على المحسوبية وازدراء العمل، والخوف من التغيير، والإحساس بالضحية، وإلقاء اللوم على عوامل خارجية، والولاء للعائلة والقبيلة على حساب الدولة، فإنَّ التنمية ستظل متعثرة والمجتمع لن يعرف ثمرات التقدم.
العالم الاقتصادي آرثر لويس كانَ من أوائل الاقتصاديين الذي اهتموا بدور الثقافة في الازدهار الاقتصادي. بالنسبة له ليست فقط الأرقام مهمة ولكن القيم الثقافية أيضاً. وفي كتاباته يشير لويس إلى أنَّ التنمية الاقتصادية مرتبطة بالموقف الاجتماعي تجاه العمل وتشكيل الثروة والادخار وإنجاب الأطفال وغير ذلك من المبادئ التي تشكل العقلَ الجمعي لمجتمع ما.
الدين أيضاً يلعب دوراً عميقاً في بنية الثقافة. قد يكون دوراً إيجابياً أو سلبياً. إيجابياً إذا عزَّز قيماً مثل الصدق والادخار والتفكير العقلاني، وسلبيّاً إذا شجَّع على العكس من كل ذلك. ويلاحظ الكاتب نمطاً متكرراً من الإنجاز لدى جماعات دينية معيَّنة، مثل الطائفة المسيحية «الهوغونوت» التي برعت في صناعة الزجاج والنسيج. وقيم الالتزام والانضباط واحترام العمل وقيمة الوقت قادت أفرادَها إلى النجاح.
ما يقوله لويس إنَّ الفقر لا يُفسَّر دائماً بأسباب اقتصادية محضة، بل إنَّ الثقافة التي يتشربها الفرد منذ الصغر هي التي تقوده إلى النجاح الاقتصادي أو التعثر. في أحيان كثيرة، الثقافة تسبق الاقتصاد وتقوده.
زرعُ القيم التي تحضُّ على العمل الجاد والادخار والابتكار والمخاطرة المحسوبة والسعي القوي لتحقيق الذات، كلها عواملُ تساعد الأممَ على النهوض حتى لو كانت مواردُها الطبيعيةُ ضئيلة. كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة، أمثلة ساطعة على ذلك.
في المقابل، تدخل أممٌ عدّة لديها وفرةٌ من الموارد الطبيعية في دوَّامة من الفشل؛ وذلك لأنَّها لا تملك القيمَ الثقافية المشجعة على النجاح والتميز. من النقاط المثيرة التي يطرحها هو أنَّ العائلة الكبيرة قد تعيق التنمية. الولاء للعائلة أو القبيلة يصبح أقوى من الولاء للوطن. ولهذا تنتشر المحسوبيَّات والفساد والتوظيف بناءً على أواصر القربى وليس الكفاءة. الدَّم يتفوق على الرابطة الوطنية.
نقطة أخرى مهمة حول المكانة التي يخصصها المجتمع للنجاح الفردي وليس فقط وظائف معينة. إذا كان المجتمع يقدّر المبتكر والتاجر والمخترع والخلاق والمبدع ورائد الأعمال، فسيتحرك المجتمع في هذا الاتجاه، وفي حال دعم المجتمع الوظيفة البيروقراطية، فسوف يميل إلى تعظيم مكانة هذه الوظائف ويؤثر على المجتمع ككل.
